قلقيلية بين الامس واليوم

 
 
www.myqalqilia.com

تقع مدينة قلقيلية في الجزء الشمالي-الغربي للضفة الغربية، غربي  مدينة نابلس، وجنوبي من مدينة طولكرم،  ويتميز موقع قلقيلية

 بكونه جزءاً من أراضي السهل الساحلي لفلسطين، فوق طرفه الشرقي، وعلى بُعد 14كم من ساحل البحر الأبيض المتوسط.

عادات وتقاليد الزواج في قلقيلية

***

لكل شعب من شعوب العالم عادات وتقاليد خاصة به، مع وجود تشابه في كثير  من عادات وتقاليد الأمة العربية والإسلامية في الزواج، كونه يقوم اساسا على قواعد وأصول الشريعة الإسلامية.

 فالزواج سنة كونية ارتضتها التعاليم السماوية للبشرية، وهو دعامة العمران ورباط التآلف وطريق الرحمة والشفقة والمودة والعدل ووسيلة للطهر والكرامة والاستقامة. وهو طريق لإنشاء علاقات جديدة، واتساع دائرة الترابط في المجتمع.

والزواج في الشريعة الإسلامية عقد يجمع بين الرجل والمرأة، يفيد إباحة العشرة بينهما، وتعاونهما في مودة ورحمة، ويبين ما لكليهما من حقوق وما عليهما من واجبات. وهو وسيلة لحفظ النسل، وبقاء الجنس البشري، واستمرار الوجود الإنساني، وهو وسيلة -أيضًا- لاستمرار الحياة، وطريق لتعمير الأرض، وتحقيق التكافل بين الآباء والأبناء، حيث يقوم الآباء بالإنفاق على الأبناء وتربيتهم، ثم يقوم الأبناء برعاية الآباء، والإحسان إليهم عند عجزهم، وكبر سِنِّهم.

لقد كان  للزواج أغراضا مختلفة وبشكل أساسي الحاجة الماسة للأبناء كأيدي عاملة في أعمال الزراعة. فالرجل الذي لديه أبناء ذكور أكثر، يعني ان دخل العائلة المادي سيكون أكثر وبالتالي معيشة أفضل. كما ان كثرة الأولاد تشكل عزوة للرجل ويتباهى بها. لذا فقد شجع أهالي قلقيلية الزواج في سن مبكرة، وكانت الأسرة هي أسرة ممتدة، أي أن الجد والابن والأحفاد يعيشون في بيت واحد، ويساعدون بعضهم بعضا في الأمور اليومية كل حسب طاقته.

وكان الابن قبل عام حرب 1948م، يندمج في  الحياة العملية التي يحياها والده وهو في السن قبل العاشرة من عمره، فيصبح ابن الراعي راعياً، ويصبح ابن الفلاح مساعداً لأبيه الحراث.. الخ. وكان أبناء الحرفيين من نجارين، وحدادين وبنائين، وحذائين وحلاقين، يندمجون في حرف الآباء بمجرد ان تكتمل لديهم القدرة على الإمساك بالأدوات، وأما البنت فكانت تدخل الحياة العملية في سن ابكر من الولد، فتتعلم جمع الحطب وجلب الماء، ومساعدة امها في شؤون البيت ـ من كنس وتنظيف وأعمال الخياطة والتطريز.

وكان الأب هو المسيطر، وهو المستقبل الاقتصادي لابنه، وبدون رضى الأب وموافقته لا يستطيع الابن أن يشق حياته، ذلك لأن الأب كان يسيطر سيطرة شاملة على وسائل الإنتاج، فهو الذي يملك الأرض والماشية والدكان.. الخ، وفوق ذلك فهو يمتلك مهارات المهنة التي يمارسها، وهو الذي يعلم ابنه الفلاحة أو الحدادة أو سواهما، فكان يصعب على الصبي الصغير أن يشق طريقه في الحياة بدون وسيلة التعليم التقليدية التي كان يقدمها الأب لابنه مختاراً راغباً، واذا خرج الولد عن طاعة أبيه، فقد خرج إلى حياة التشرد.

وفي إطار المجتمع الأبوي، كان الأب يوجه ظروف الزواج وشروطه وفقاً لأغراضه هو بصفته الوصي الكامل على الابن، والمصدر الذي يمول عملية الزواج برمتها، من مسكن وملبس ومهر ونفقات العرس.

وزوجة الابن تعوض الخسارة في اليد العاملة التي حصلت لنفس البيت عن طريق تزويج بنت خرجت لبيت آخر، فالأم التي فقدت ابنتها بالزواج، تستعيض عنها بإحضار زوجة شابة لأبنها " كنة " وهكذا يظل التوازن قائماً، فالأم تزوج بناتها وتستعيض عنهن بزوجات الأبناء (الكناين)، ويساعدنها في العمل البيتي والحقلي، وفي ظل هذه الموازين الاقتصادية يصبح من الضرورة بمكان أن يتم استقدام "الزوجات العاملات" وفي وقت مبكر لأهداف شتى، فالمرأة الشابة الصغيرة تخدم البيت والمزرعة مدة أطول، حتى في الفترة التي تكون فيها دون القدرة على إنجاب الأطفال، كما ان تزويج الأبناء وهم في سن مبكرة يحميهم من الانحراف والتطلع للحياة خارج بيت "الوالد"، ويضطر الابن، بعد الزواج والبدء في إنجاب الأولاد إلى الارتباط بقوة ببيت أبيه ومزرعته، من أجل أن يؤمن المعاش لتلك الزوجة، ولأبنائه، وكذلك فان تزويج البنات في تلك السن المبكرة، يريح الوالدين من القلق على شرف البنات، ويتم استبدالهن بزوجات عاملات للأبناء. 

وتحقق الأمهات من خلال تزويج أبنائهن في سن مبكرة، هدفاً نفسياً كبيراً، فهي تفرح بزواج ابنها، وتسحب البساط من تحت رجلي زوجها وتفقده المبرر أن يتزوج من امرأة أخرى. فزوجة الابن تساعدها في إعداد الطعام للمضافة والضيوف، والعمل المنزلي، وخدمة المزرعة، وجلب الماء من العين وجمع الحطب، وخدمة دواجن البيت، فلا يبقى للزوج أي عذر للزواج بامرأة ثانية.

كما ان الزوجة الصغيرة السن يمكن إخضاعها وتعويدها على التفاني في خدمة بيت العائلة، ولو كانت مثل تلك الزوجة كبيرة وناضجة، لكان من الصعب إخضاعها لخدمة العائلة الكبيرة.

وللزواج في قلقيلية عدة طرق منها:

1- زواج الأقارب:

يؤدي تخلف الأوضاع الاقتصادية الى تخلف القيم الاجتماعية. فحيث تشكل الأرض قوة الإنتاج الرئيسة، يتأهل الابن للعمل في سن مبكرة ويغدو بذلك قوة إنتاج. وبذا تكون كثرة الأولاد أمراً مرغوباً فيه وتغدو المرأة قوة منتجة. وفي مثل هذه الظروف كان يشيع زواج الأقارب كي لا تتسرب الأرض إلى الغرباء عن العشيرة أو القبيلة.

من العادات الموروثة لدى أهالي قلقيلية هو التزويج من داخل الأسرة، وكانت ظاهرة شبة قانونية اجتماعية يصعب على الناس الخروج عنها، لأن ابنة العم كما يعبر عنها المثل: "ما بشيل همّك الا بنت عمك"؛ "بنت العم صبّارة على الجفا". وكثيراً ما تأخر سن الزواج بالنسبة للرجل انتظاراً لأن تكبر ابنة العم.

ولا يزال هذا الموروث موجودا عند بعض العائلات في قلقيلية، فإذا تقدم شاب من خارج العائلة لخطبة فتاة، يطلب والدها من المتقدم أن يعطيه وقتا كافيا حتى يجيبه، فيخبر والد الفتاة أخوانه بخبر خطوبة كريمته، وان كان يرغب أحدهم بخطبة البنت لأحد أبنائهم، وعلى ضوء هذه المشورة يتم إجابة الولد المتقدم لخطبة البنت من عدمه.

وكان من مبررات الزواج من الأقارب ان المهر كان في كثير من الحالات عبارة عن قطعة ارض يقدمها والد العريس لوالد العروس،  وكان انتقال الأرض داخل العائلة مسألة مقبولة، اما انتقالها خارج العائلة فهو كارثة كبرى، لان معنى ذلك التخلي عن ثروة العائلة لعائلة أخرى. فكان تزويج البنت خارج العشيرة نوعاً من التنازل عن الممتلكات، وأحق الناس بالحفاظ على ممتلكات العائلة هو ابن العم. فكان الزواج من ابنة العم مسألة مسلم بها، ويندر أن يخرج عليها أحد، حتى اصبح زواج ابنة العم أمراً أشبه بالقانون الثابت الذي لا محيد عنه، حتى لا تعطى الفرصة للغرباء ليرثوا ممتلكاتها اذا ما تزوجوا من بناتها

وبزواج ابناء العم ينضم الاثنان الى عائلة الاب، التي كانت تضم في كثير من الحالات اسرة ممتدة، أي الأب والام وابنائهم وزوجاتهم، ويتحول هؤلاء الأبناء وزوجاتهم الى ايدي عاملة نشيطة، فالولد يعمل في حراثة الأرض، وتعمل الزوجة في إعداد الطعام، وجمع الحطب، والقيام بخدمة الحيوانات التي تعمل في الزراعة، والحيوانات المنتجة، والمشاركة في خدمة العائلة وجني المحصول..الخ. كما ان تفضيل ابن او ابنة العم على الغير هو أن العائلة كانت كما ذكرنا عائلة ممتدة، لذا فان الزوجة من خارج العائلة لا تستطيع ان تعيش في هذا الجو الغريب عنها، ومن الصعب ان تتكيف معه، بينما ابنة العم اقدر على ذلك.

أما الاعتبارات الاجتماعية فهو أن زواج الأقارب يؤدي الى تجميع العائلة وليس تفريقها، فالأهل يرون في تزويج أبنائهم بنات من نفس العائلة ما يكفل عدم حدوث مشاكل قد تؤول إلى الطلاق في يوم ما، فمهما استفحلت المشاكل بين الزوجين فإن الشاب سيفكر ملياً قبل الإقدام على خطوة الطلاق من زوجته، التي هي في نفس الوقت ابنة عمه أو خاله. وهذا ما يجعلهم مطمئنين على ابنتهم وعلى مصيرها بشكل اكبر مما لو تزوجت من شخص آخر، من خارج العائلة.

وكان أهالي قلقيلية يتمسكون بعادة أحقية ابن العم بالزواج من ابنة ‏عمه، ولو لم يكن بينهما أي مودة أو محبة أو وفاق، وعندما تُطلَب البنت للزواج من شخص من خارج العائلة (يتحرّاها) ابن عمها ان كان له رغبة فيها، ويُفضّل على الغريب. ويستطيع ابن العم الاعتراض على زواج ابنة عمه من الغريب حتى آخر لحظة، فهو "ينزل ابنة عمه عن الفرس" الذي ينقلها لبيت الزوجية.

وما زالت العديد من عائلات قلقيلية المغتربة في دول الخليج العربي وغيرها متمسكة بعادات الزواج من نفس العائلة أو من نفس بلدتها. ورغم أن بعض العائلات من قلقيلية أخذت تتجاوز هذه العادة باعتبار أن الجميع يعيشون في بلد واحد (وكما يقول المثل– الغريب للغريب قريب)، إلا أنهم ما زالوا يؤثرون القريب او ابن البلد على غيره من الشباب.

وكان ينظر إلى زواج البنت من رجل غريب على انه أمر يجلب المتاعب للعائلة، فزواجها من الغريب أشبه باستقدام عدو، حيث يضطر أهلها لاستقبال ذلك الغريب في ذلك الوضع الاجتماعي الضيق الذي كان يعتبر كل من كان خارج حدود العشيرة غريبا وعدوا.

2- زواج البدل:

زواج البدل ليس ظاهرة مستحدثة في قلقيلية، بل هو عادة متوارثة سببتها الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشها أهالي قلقيلية خلال العهد التركي وفترة الانتداب البريطاني، والحرص على زيادة التماسك والترابط الاجتماعي بين الأسر، من خلال التوسع في علاقات المصاهرة والزواج فيما بينهم.

وزواج البدل أو الشَّغار هو مبادلة فتاة بفتاة، حيث كان هذا النوع من الزواج متبعاً في السابق وقد بدأت تتلاشى هذه العادة بسبب الوعي الديني بين الناس. ويتم زواج البدل بأبسط أشكاله ومعانيه عندما يتبادل اثنان من الرجال أخواتهما فيتزوج كل منهما شقيقة الآخر. وفي حالة أخرى يمكن إن يزوج شخص ابنته لشخص آخر ويتزوج هو بالمقابل أخت ذلك الشخص وربما ابنته.

ويوفِّر زواج البدل المبالغ التي كانت ستدفع كمهور، لان البنت- في حال زواجها بالبدل- توفر المال الذي كان يجب أن يصرف مهرا لزوجة أخيها، ويستفيد منه بقية الإخوة.

ولا يكلف زواج البدل أية مبلغ نقدية كمهر، وإنما يتوجب على العريسين اللذين يتبادلان الأخوات ان يشتريا الكسوة كل لعروسه. وقالت المرحومة الحاجة رابعة سعيد هلال (توفيت بعمر 96عام) ان كسوة العروستين تكونا متشابهتان في الثمن والكمية أيضًا، فكلما اشترت إحداهما شيئًا تقوم الأخرى بشراء مثله، وكذلك عند شراء الذهب، وفي يوم العرس يتم عمل حفل زفاف مشترك في كل شيء.

ولهذا الزواج إيجابيات وسلبيات، فمن إيجابياته تقوية أواصر القرابة والمحبة، ومن سلبياته أن أي خلاف يقع بين الزوجين ينتقل ببشكل تلقائي إلى البديلين أي إلى الزوجين الآخرين. فاذا كانت احدى الزوجات تعيش بهناء مع زوجها، وحدثت مشاكل بين اخيها وزوجته ، فان المشاكل تدب بين اسرتي العريسين. وهذا من ابرز سلبيات زواج البدل، لان كلا الزواجين يرتبط احدهما تلقائيًّا بالآخر، فما يحدث في أحدهما ينتقل إلى الآخر. فاذا قام احد الزوجين باهانة امرأته او ضربها وغادرت الى بيت ابيها  "حردانة"، فعلى البديلة الاخرى ان تحرد وتغادر بيت زوجها، واذا رفضت مغادرة بيت زوجها فربما يهددها اهلها واقاربها بالمقاطعة وعدم التعرف عليها. وما على البنت الا ان تنصاع لضغوط العائلة والاقارب. وقد يقوم أحد الزوجين بتطليق زوجته، فيُجبر "الطرف الثاني" على تطليق زوجته، لأن أخاها طلّق أخته، على الرغم من التفاهم والودّ المتبادل بينهما. وأنا أعرف أحد الاشخاص طلق زوجته، بعدما تعرض لضغط كبير من إخوته واقاربه، وذلك لأن شقيق زوجته طلّق أخته، مع انه كان يعيش مع زوجته في هناء ووئام.

رغم ذلك، فان الحياة الاقتصادية الصعبة وعدم قدرة الزوج على توفير المهر المطلوب لعروسه كانت تفرض على الناس زواج البدل للتخفيف من متطلبات الزواج. كما قد يكون زواج البدل ناشئ عن اشتراط ولي أمر البنت ان يزوج العريس شقيقته لابنه (اي لشقيق العروس). وهذا ما تردده بعض الأغاني الشعبية، التي تروي أن شخصا أحب فتاة، ولكن والدها رفض تزويجها منه، رغم أنه عرض عليه مالا كثيرا فشكى إلى حبيبته بهذا البيت:

يا طولك طول عود الزان لا مال              يا شعرك حيَّر الجدال لا مال

ابوك ما قبل فيكِ ذهب ولا مال                وكيف الراي عندِك والجواب

فتبين له رأيها قائلة:

بداري في محبتكم بداري                     يا عود الزان يتلولح بداري

أعطي اختك لأخوي بدالي                   وهذا الراي عندي والجواب

أن ظاهرة زواج البدل أخذت في الانحسار التدريجي منذ عام 1948م، وقلما نسمع زواجا تم بالبدل هذه الايام، بسبب زيادة وعي الناس بعواقب زواج البدل، وارتفاع معدلات التعليم بين الرجال والنساء على حدٍ سواء، والاختلاط بينهم في الجامعات ومكان العمل، وبالتالي اتساع دائرة الاختيار المحتملة للشريك سواء من الرجال أو من النساء.

3- زواج العطية:

وكانت بعض الزيجات تتم في قلقيلية عن طرق زواج العطية والزواج من الجلب.

العطية: وكانت على نوعان:

أ- العطية وقت الولادة: وكانت شائعة قديما في قلقيلية، وفيه يقرر الأهل من سيكون خطيب أبنتهم فور ولادتها، وعادة ما يعطي الأب ابنته لابن أخيه أو أحد أقاربه عند ولادتها وأمام شهود.. ويقرؤون الفاتحة التزاماً بالعهد. وفي هذا الزواج يكبر الطفلان ولا يحق لأحدهما اختيار شريك حياته غير الذي أختاره له والده. والعروس أيضاً لا يحق لها اختيار شريكاً لحياتها غير العريس الذي أختاره لها والدها منذ صغرها، وينتظرها والد العريس حتى تكبر ويزوجها لولده.

وكان من أحد أهداف العطية وقت الولادة هو الاطمئنان الى ان البنت المولودة ستتزوج داخل العائلة، أو على الأقل داخل القرية، وليس خارجها، لان الناس في الماضي كانوا يكرهون تزويج بناتهم خارج القرية، لاعتبارات اجتماعية واقتصادية.

ب- عطية القبر:  

وهي أن يتبرع والد إحدى الفتيات بابنته للزواج من رجل قريب توفيت زوجته. وكانت تتم عندما تموت زوجة أحد الرجال فينزل في القبر معها ويقول: "ادفنوني معها"، فيقول له والد زوجته او احد أقربائه: "اطلع يا رجل وبنتي فلانة إلك.. لا جزا ولا وفا".

اما اليوم فقد يخبر والد الزوجة المتوفية اهل زوج ابنته عن نيته تقديم احدى بناته لابنهم ويسميها، ويكون الزواج في هذه الحالة بدون مهر، خاصة اذا كان وضع زوج ابنته المتوفية سيئا.

4- زواج الجلب:

أصل هذا الزواج كان ايام الحكم العثماني، حيث ان الزواج من امراة غريبة كان يعفى الزوج من الخدمة العسكرية في صفوف الجيش العثماني، واستمر هذا الزواج بعد رحيل الاتراك عن البلاد، وقد ساد هذا الزواج لمدة طويلة في قلقيلية حتى نهاية عقد الرابع من القرن الماضي، إذ كان يجلب أحد أهالي البلدة مجموعة من النساء، ويزوجها لمن يحتاج في القرية. وقد تم إحضار العديد من القبرصيات وتزوجن في قلقيلية، وتأقلمن مع الحياة فيها.

5- الزواح بأكثر من زوجة:

رغم قلة تعدد الزوجات  في قلقيلية، إلا أنه كان يتم لأسباب عدة منها:

أ) الإكثار من النسل والتباهي بعدد الذكور في العائلة.

ب) عدم إنجاب المرأة الأولى للذكور، وتحت الضغط النفسي والمجتمعي وضغط عائلة الزوج يقدم الرجل على الزواج بامرأة أخرى، لعلها تنجب له من يحمل اسمه واسم عائلته! (وحدث ان تزوج جارنا رحمه الله بثلاث نساء، ولم ينجب منهن ذكورا. وتزوج الرابعة، فأنجبت له سبعة من الأبناء الذكور).

ج) أسباب اقتصادية، زياد ة الأيدي العاملة للحفاظ على الأرض وزراعتها.

د) عقم الزوجة الأولى، أو مرضها وعدم قدرتها على خدمة نفسها وزوجها، فتطلب من زوجها ان يتوزج بامراة اخرى، لكي تخدم زوجها واولادها وترعى امور البيت.

مراحل الزواج:

وتشتمل على عدة خطوات أساسية قبل الزواج الرسمي، وتتلخص فيما يلي:

1 ـ فكرة الزواج:

يعتبر الأهل زواج البنت في سنٍ مبكرة ستراً لها. أما الولد فيفضلون زواجه المبكر ليروا أحفادهم كباراً في حياتهم، فما أن يصل العريس سن البلوغ حتى يقرر أهله زواجه. والأهل عادة يبحثون لابنهم عن العروس القريبة أولاً، ويحرصون أن تكون من نفس العائلة، وإذا كانت غريبة فيبحثون عن الأصل والفصل والأخلاق. ويسألون عن أمها لان البنت غالبا ما تكون على شاكلة امها، انطلاقا من المثل الشعبي الذي يقول: "طب الجرة على فمها بتطلع البنت لأمها".

وكان أمر الزواج في الغالب يقرره الأهل، وقلما يكون للولد أو البنت دور فيه. فأهل العريس هم الذين يقررون الوقت الذي يسمحون فيه للابن بالزواج ويرغبون أن يتم الزواج في حياتهم لأنهم في شوق لرؤية أحفادهم.

وقد تبدأ فكرة الزواج من العريس نفسه، حيث يفصح الشاب لأهله عن رغبته في الزواج، ويبدأ الوالدان بالتشاور حول من ستكون كِنَّتهم، أما إذا كان الولد قد حدد عروسه ونالت موافقة الأهل فإن الأمور تسير بدون عقبات.

2 ـ معايير اختيار العروس:

قبل البحث عن العروس يكون لدى أهل العريس تصور في أذهانهم عن البنت التي ستكون زوجة لابنهم، وتضع عائلة العريس نصب أعينها أكثر من معيار لاختيار زوجة ابنهم، حتى تضمن لابنهم حياة سعيدة هانئة. وهذه المعايير ليست ثابتة لكل زمان ومكان، بل تتغير بتغير الظروف والأزمان، وتختلف أهمية هذه المعايير من عائلة لأخرى، ومن شخص لآخر.

ومن اهم المعايير التى كانت تؤخذ بعين الاعتبار عند اختيار الزوجة ما يلي:

1. تفضيل الأقارب: فلكي تبقى العائلة مترابطة ومحافظة على وحدتها، يفضل الاب اختيار زوجة لابنه من نفس العائلة. والاهم من ذلك أن العروس إذا كانت من الأقارب فإنها ستطيق العيش مع والديه وإخوته في بيت واحد، عدا عن أن  القريب في العرف الشعبي أولى بقريبته من الغريب، مثل ما يقول المثل الشعبي: "ابن العم بنزل بنت عمه عن الفرس"، و "عليك بالطريق ولو دارت وبنت العم ولو بارت"، و "ابن العم.. اولى من الغريب". أما الام فتفضل ان تكون العروس من قريباتها، كأن تكون ابنة اختها او ابنة اخيها.

2. مكانة أهل البنت ومستواهم الاجتماعي: يراعي أهل العريس- وخاصة والده - اختيار فتاة من عائلة ذات شهرة واسعة وسمعة طيبة، خاصة في الكرم والشجاعة، وكثيرة العدد وذات سلطة ونفوذ في المجتمع. وهذا مدعاة للمفاخرة لعائلة العريس، عند زواج ابنهم من بنت ذات حسب ونسب وأصل وفصل.

3) غنى أهل العروس: يفضل أهل العريس اختيار الفتاة التي يكون أهلها أغنياء، او لديهم املاك كثيرة من الأراضي والعقارات، ولو لم تكن البنت جميلة، او حتى ولو كان لديها بعض الاعاقة، وذلك لضمان مستقبل ابنهم، حيث سترث البنت من اهلها، وذلك في ظل ظروف اقتصادية كانت صعبة جدا.

4) الجَمـــال ومحاسن البنت: تهتم الام بالجمال وحسن المظهر للعروس، ظناً منها أن فيه سعادة لابنها، كما انه مدعاة لأن تتفاخر أمام النساء والجارات أن كنَّتها -عروس ابنها- من اجمل العرائس.

ومن مواصفات الجمال التي تحرص الأم أن تكون في عروس ابنها: ان تكون بيضاء، وشعرها اسود، ووجهها كالبدر، وعينيها كبيرتان كالفنجان، والأسنان مثل صف اللولو، وخدودها مثل تفاح الشام (تعلوها بعض الحمرة)، وفمها صغير كخاتم سليمان، وطويلة وممشوقة القوام مثل عود الزان.

وما أجمل أن تجمع العروس بين الجمال المادي وجمال العقل والخلق والدين. وما أسعد العريس إذا اجتمعت هذه الصفات كلها في عروسه، فسيظل سعيداً طوال حياته.

5) أخلاق الفتاة وسيرة أمها واهلها: يهتم الناس بالزواج من البنت التي تتمتع بسمعة طيبة من خلال أخلاقها الطيبة. كما تُؤخذ سيرة الأم بعين الاعتبار عند اختيار العروس. وتقول الحاجة رابعة هلال ان اهل العريس كانوا يهتمون بمعرفة سيرة الام واخلاقها اكثر من اهتمامهم بسيرة واخلاق ابنتها وهي العروس. فاذا كانت الام حسنة الدين والخلق، فان البنت ستكون مثل امها، لأنها عادة ما تكون صورة عن أمها، انطلاقا من المثل الشعبي القائل: "طب الجرة على ثمها.. تطلع البنت لأمها".

كما أن أخلاق الأب او الاخ لها دور ايضا في زواج البنت من عدمه. فإذا كانت أخلاق الأب او احد الإخوة سيئة فلا يقدم احد على الزواج من البنت، إلا من كان بمثل أخلاقهما. لكن بعض الناس يتجاوزن ذلك خاصة إذا كانت البنت جميلة، مقتدين بالمثل الشعبي القائل: "خُذ من الردي.. ولا تعطيه"، وتبرير ذلك أنه لا ذنب للبنت بسلوك أبيها او أخيها، ما دامت هي نفسها ذات أخلاق حسنة، مصداقا لقوله تعالى: "ولا تزرُ وازرة وزر أخرى" و "كل نفس بما كسبت رهينة".

6) كما يؤخذ بعين الاعتبار صحة العروس وقوتها البدنية، وخفة حركتها ورشاقتها وقدرتها على القيام بالاعمال المنزلية والزراعية خير قيام.

7) التعليم: ونظرا لتطور الحياة العصرية والتحاق البنات بالمدارس والجامعات، فقد اصبح معيار التعليم اساسيا عن التقدم لخطبة العروس. فالعريس في كثير من الاحيان لا يقبل عروسا غير متعلمة، وكذلك العروس المتعلمة، لا تقبل الزواج من عريس غير متعلم، وان كان غنياً. وقد اتاح التعليم المختلط في الجامعات المجال امام الشاب ليتعرف على الفتاة التي يريدها عن كثب، ويتبادل الاحاديث الودية معها، بحيث اصبح للشاب وللفتاة الدور الرئيسي في اختيار كل منهم شريك حياته.

تلك هي أهم المعايير التي يراعيها أهل العريس في اختيار الزوجة المناسبة لابنهم، ويعتمد الاختيار غالبا على أكثر من عامل واحد، فهم يحرصون على اختيار البنت الجميلة ذات الأخلاق الحسنة، لما فيه من سعادة لولدهما.  ونفس هذه المعايير يراعيها ايضا اهل العروس عند تقدم العريس لخطبة ابنتهم.

3- سن الزواج:

كان يتم الزواج في قلقيلية يتم في سن مبكرة، وفي العادة تكون العروس اصغر من العريس. ومن الاساب الداعية للزواج المبكر ما يلي::
- الحاجة الى مزيد من الايدي العاملة للعمل في الزراعة، على اعتبار ان المراة كانت الساعد الايمن للرجل في معظم الاعمال الزراعية.
- الحاجة الى العزوة وكثرة الرجال في العائلة، وهذا لا يتم الا من خلال الزواج المبكر وكثرة الانجاب.
- الحاجة للحفاظ على الذرية وامتداد العائلة، خاصة اذا كان الاب لم ينجب الا ولد واحداً فيزوجه مبكرا ليفرح باحفاده.
- كان الرجل يحرص على الزواج من بنت صغيرة في السن، حتى تبقى قادرة على خدمته عندما يكبر ويصبح عاجزا.

- التحاق الابناء بالعمل في سن مبكرة يجعل الزواج امرا مكملا للاستقرار وضماناً للعفّة والطهارة، في وقت كان يعيش فيه الابناء وزوجاتهم في بيت واحد، ويكونون تحت رعاية وحماية الاهل

ومن جهة اهل الفتاة، فقد كان الاهل يقدمون على تزويج ابنتهم في سن صغيرة جدا، قد لا تتجاوز سن الـ  12 او 13 عام، او حتى اقل من ذلك في بعض الحالات، وذلك للاسباب التالية:

- الوضع الاقتصادي السيء للاسر الفقيرة يدفعهم لتزويج بناتهم في سن مبكرة للتخلص من الأعباء المادية على الاسرة، خاصة تلك التي تعتبر كثيرة العدد

- الخوف من حنوح البنت وجلب العار لاسرتها، يصبح امرا مقلقا للاسرة، التي لتجأ الى تزويج البنت في سن مبكرة، بإعتباره ضمان، وصيانة لشرف العائلة.

- ان الزواج المبكر للفتيات كانت ظاهرة مقبولة لدى المجتمع الفلسطيني، في وقت شهدت فيه فلسطين فترات من عدم الامن والاستقرار

- ان معظم حالات الزواج المبكر كانت بين الاقارب، مما يشجع الاهل على تزويج ابنتهم في سن مبكرة، لانها ستكون في رعاية اقاربها- خالتها او عمتها

- وفي بعض الحالات كانت تزوج البنت في سن مبكرة، لعدم تضييع فرصة تقدم زوج لابنتهم، من عائلة متميزة مادياً واجتماعياً

- الجهل والامية، وعدم تعلم البنت لعدم توفر مدارس للبنات، حيث اقيمت اول مدرسة للبنات في قلقيلية عام 33-1934م، ولم يكن قبل ذلك اية مدارس تذكر للبنات.

- العادات والتقاليد الشعبية التي كانت سائدة في الزمن الماضي، والتي تعتبر ان زواج البنت في سن مبكرة هو سترة لها - "الزواج سترة البنت"، كما ان الدين الاسلامي يحث على ذلك.
- رغبة أهل العريس وتفضيلهم تزويج ابنهم بفتاة صغيرة يسهل اخضاعها والسيطرة عليها..

وكان الاهل يلجأون الى الحيل لتزويج بناتهم الصغار. فخوفا من ان يرفض الامام او المأذون الشرعي كتابة عقد الزواج، كانوا يلبسون البنت الصدرية ويضعون تحتها حبتين من البطاطا او البرتقال، ويجعلونها تقف على قرطة من الخشب، لتبدو بانها بالغة وكبيرة، وليست صغيرة!

واذا كانت قصيرة فيجعلونها تقف على القرطة -وهي طاولة قصيرة من الخشب بارتفاع 15سم كانت تستخدم للجلوس عليها عندما تغسل المرأة الثياب، او يجلس الاطفال عليها عند الاستحمام- فتبدوا امام القاضي الذي ينظر اليها من الشباك بانها بالغة وطويلة!

ومن الحيل الاخرى التي كانوا يستخدمونها هي استبدال البنت باختها، اي يرى الامام او المأذون الشرعي احدى البنات الكبار، ويسمونها باسم الصغيرة، فيتم كتابة الكتاب على البنت الصغيرة، وليست على البنت التي جعلوا الامام او المأذون الشرعي يراها!

وحتى ان الحيل والخدع لا تقتصر على زواج القاصرات، ولكن حتى في زواج البنات الكبار. فكان الاهل يحرصون على زواج البنت غير الجميلة او التي بها عاهة قبل ابنتهم الجميلة، لان النت الجميلة من السهل زواجها نظرا لرغبة العرسان في البنت الجميلة، اما البنت غير الجميلة او التي بها اي عاهة فكان من الصعب تزويجها، وتبقى بنتا في بيت اهلها.

فقد حدث لاحد الناس من قلقيلية ان رات امه بنتا جميلة من يافا، وعندما اراد خطبتها وجاء المأذون الشرعي ليكتب عقد الزواج قام اهلها بتسمية البنت الجميلة باسم اختها الكبيرة التي كانت عوراء، والعريس لا يعرف ذلك. ويوم الزفاف زفّت العروس من يافا الى قلقيلية، وفوجئ العريس ان العروس عوراء، وليست البنت التي خطبها. ولكن لم يكن من السهل عليه تطليقها، حيث كان قد استنفذ كل ما لديه من اجل هذا الزواج، نظرا للتكلفة العالية للزواج في ذلك الوقت، خاصة عندما تكون العروس من المدينة، فما كان منه الا ان دخل بها وتزوجها!

وكانت بعض العائلات تشجع العرسان في  الاقبال على الزواج من ابنتهم غير الجميلة او التي بها عاهة ويصعب تزويجها، بأن يقوم  والدها بتسجيل قطعة ارض او عقار باسمها، فالمال سيعوض العريس فقدان الجمال في العروس.

وفي ظل التركيبة الاجتماعية-الاقتصادية في المجتمع الفلسطيني، ظلت العائلة هي الركيزة الأهم للمكانة الاجتماعية، فكانت العائلات الأقل مكانة تسعى للارتباط بالعائلات الاعلى مكانة ونفوذاً وجاهاً، وأن تتقرب اليها، بالزواج من بناتها، وان كن غير جميلات، وفي وقتنا الحاضر فقد تأخر سن الزواج لعدة اسباب، منها:

- تحسن احوال الناس المعيشية واقبال البنت على التعليم الجامعي، واحجامها عن الزواج المبكر بحجة إكمال التعليم. كما ان التعليم فرض على الشاب ان يختار بينه وبين الزواج، لعدم قدرته على الجمع بينهما
- غلاء المهور، وعدم قدرة الشباب على تلبية متطلبات الزواج، في ظل ازدياد معدلات البطالة وعدم وجود فرص حقيقية للعمل
- رفض الفتاة الزواج من رجل متزوج بإمرأة أخرى.

- وضع  أهل الزوجة شروط تعجيزية، مثل توفير مسكن منفرد عن اهل العريس، او اشتراط ان يكون معاش البنت (اذا كانت موظفة) من حقها، ولا يحق لزوجها اخذ شيء منه الا برضاها.

- طغيان المدنية وثقافة الفضائيات التي عقّدت ما كان ميسورا، وجعلت الشاب يفكر في بناء المستقبل قبل بناء البيت الاسري

- إنشغال الفتاة بتحصيل العلم والسعي إلى الشهادة الجامعية لتأمين مستقبلها بالحصول على فرصة للعمل، وحتى لا تبقى تحت رحمة الرجل. وقد اثبت الواقع ان الأسر التي يعمل فيها الزوجين (الاب والام) تكون اكثر استقرار من الأسر التي لا يعمل فيها سوى الزوج.
وبينما كان سن العنوسة للبنت حتى مطلع الخمسينات 1950s من القرن الماضي هو 18 سنة، نجد ان سن العنوسة هذه الايام يتجاوز الثلاثين (30) عام.

4 ـ البحث عن العروس:.

قد يعرض احد الوالدين على العريس إحدى قريباته او إحدى بنات الجيران، او إحدى الفتيات التي تكون الأم قد رأتها في أحد الأعراس، فاستحسنتها ورغبت ان تكون زوجة لابنها.

وإذا تعذر العثور على شريك من الأقارب أو المعارف تتم الاستعانة باحدى المعارف او الخاطبة لتقوم بهذه المهمة نيابة عن الأهل، وما أن تعثر هذه المرأة على فتاة قريبة من مواصفات اهل العريس، تخبرهم بانها تقوم بإعلام أهل العريس بهذه الفتاة ومواصفاتها واخلاقها وحسبها ونسبها، وإذا حاز الاختيار رضاهم يتم تحديد موعد لالتقاء الأسرتين.

وفي حال تحديد العروس المناسبة لابنهم تذهب الام او احدى قريباته في زيارة عادية لبيت العروس المرشحة للخطبة دون ابلاغها عن سبب زيارتها، وترى الام العروس وتنقدها بشكل دقيق - اي تعاينْ جمالها ومحاسنها. فاذا اعجبت بها الام تقوم بنقل صورتها للعريس، وتصف له محاسنها واخلاقها وحسبها ونسبها وتحاول اقناعه بها. وفي حال موافقة العريس على العروس المرشحة ووجد ان مواصفاتها  تتطابق مع يبحث عنه في شريكة حياته، تقوم والدته أو إحدى قريباته -ان كانت والدته متوفية- ممن تتصف باللباقة وحسن الحديث بالذهاب الى بيت العروس، وتبدأ بإطراء العريس ثم تطلب منهم القرب بإبنتهم، وتكون هذه مرحلة أولية للتأكد من القبول المبدئي لعائلة الفتاة للعريس. وتحرص أم العروس أن لا تعطي جواباً قاطعاً قائلة بأنه لا بد لها من استشارة والد العروس واقاربها. وقد تستغرق عملية جسّ النبض هذه عدة ايام، قبل ان يتم الرد النهائي. فاذا كان الرد بالايجاب تبدا الخطوة الثانية وهي سرية الى حد ما (خوفا من الفشل)، حيث يقوم والد العريس وامه واخته او عمته بالذهاب ليلا -بعد صلاة المغرب- الى بيت اهل الفتاة كزيارة عادية، واثناء الزيارة يطلب والد العريس او ولي امره يد العروس مباشرة من ابيها او وليّ امرها.

ولا تحرص الأم على اختيار العروس الجميلة لابنها فحسب، بل يجب ان تكون ايضا "معدّلة"، أي تجيد القيام بالإعمال البيتيّة، مثل الخبز وطهي الطعام والخياطة والتطريز والكنس والمسح والتنظيف .. وغيرها من أعمال المراة البيتية.

وتقول الحاجة رابعة سعيد هلال [93 عاما] ان بعض النساء كانت تفحص ما اذا كانت العروس "معدلة" ام لا، فتستأذن ام العريس والدة العروس للدخول إلى الحمام، وتلقى بنظراتها هنا وهناك وهي في طريقها الى الحمام، فاذا وجدت الحمام نظيفا، ورأت المطبخ نظيفا ومحتويات البيت مرتبة ونظيفة، اطمأنَّت الأم إلى إن عروس ابنها ستكون "معدّلة" مثل أمها.

وكانت البنت لا تستشار عند اختيار العريس  لها ولا تستطيع رفض قرار الأب او ولي امرها، فالبنت لا ترفض الزواج من الشخص الذي يختاره لها أبيها، بسبب حاجتها للأهل، حتى إذا ما تخلى الزوج عنها في المستقبل عادت لأهلها، ومع الزمن صارت المسألة تقليدية، بحيث لا يمكن الخروج عليها، فالبنت التي ترفض الزوج الذي تختاره الأسرة تعتبر متمردة على اهلها، وتستحق الموت.

ومن طريف ما يرويه احد الأشخاص -طلب عدم ذكر اسمه-  وهو من احدى عائلات حامولة أل زيد في قلقيلية، ان اهل والده ووالدته (وهم ابناء عم) كانوا يسكنون في زقاق واحد، وهو الكائن خلف محلات عاشور. وفي احد الايام سمعت والدته ان ابن عمها (وهو والد المتحدث) سيسافر الى يافا ليشتري الكسوة لعروسه، فطلبت من ابن عمها ان يهديها فرش الكسوة (وهي قطعة القماش تلف بها الكسوة، حيث لم يكن في ذلك الوقت توجد شنط جلدية)، فذهل ابن عمها من طلبها، وأجابها قائلا: "يا مجنونة ... ما هِي الكسوة كلها إلك". نعم.. كانت هي العروس ولا تعلم ذلك، خطبها ابن عمها ولم يستشرها والدها، وحتى لم يخبرها بذلك!!

واذا تقدم للبنت من يخطبها وكانت ترغب فيه بشدة، فانها لا تجرؤ على التصريح بذلك، وتترك الأمر لأهلها ليقرروا ذلك، حتى لا تتهم بانها كانت على علاقة مشبوهة مع ذلك الرجل.

واذا كانت هناك علاقة حب بين العروسين فهو امر سري لا يلعب دورا في تقرير مصير الزواج، ويرفض أي زواج على اساس الحب. فعندما يعرف الناس ان الزواج تم بسبب حب بين  العروسين، ياخذ الناس بإشاعة ان الزواج تم للتستر على علاقات مشبوهة كانت بين الزوجين قبل الزواج.

ومن ناحية أخرى لا يستطيع الشاب رفض (البنت) التي اختارتها له اسرته، خاصة اذا كانت من الاقارب كأبنة العم، فإذا رفض الابن، اعتبر ذلك امتهانا لمكانة الأب، وخروج عن الاعراف في العائلة، والولد بحد ذاته لا يستطيع أن يتزوج بدون موافقة أبيه، فالمسألة كانت مسألة العرف الاقتصادي الذي يضع الأرض والمال تحت تصرف الأب، ومن ناحية ثانية لا يقوم أحد بتزويج ابنته لشاب دون موافقة والده لاعتبارات اجتماعية، حيث يرفض المجتمع مثل هذا الزواج، واقتصادية ايضا باعتبار الاب المالك لكل شيء. 

وقد كان للتغيرات الاجتماعية التي حدثت منذ بداية عقد السبعينات من القرن الماضي، أثر على طريقة اختيار الشريك، حيث أن المرونة التي لحقت بموضوع الاختلاط بين الجنسين أعطت الفرصة للشبان والفتيات للالتقاء في المناسبات الاجتماعية العائلية، وفي الجامعة وأماكن العمل والنوادي وغيرها. نجم عن ذلك الاختلاط، إن صارت الفتاة في قلقيلية تتزوج الشاب الذي تريده، ولم يعُد يُفرض عليها الزوج الذي يريده الأهل. وصار شباب قلقيلية ممن يدرسون في الخارج يعودون بزوجات أجنبيات، كما أن فرص التعليم العالي وفرص العمل في المجالات المختلفة، أخرت إلى حدٍ ما سن الزواج العادي، والمتعارف عليه، حتى تجاوز حالياً سن الخامسة والعشرين في المتوسط .

وكان يتم عندما يتعذر على أهل العريس الحصول على فتاة مناسبة لابنهم من قريتهم، او لأي سبب كان، فانهم يتجهون الى القرى المجاورة. وقد تكون للعريس قريبة متزوجة في احدى هذه القرى، فتختار له عروسا منها، او قد تكون لاهل العريس جارة من القرى، ومتزوجة في قلقيلية، فترشد أهله الى عروس من قريتها. كما يمكن ان يكون لوالد العريس معارف في القرى المجاورة او حتى في مناطق بعيدة، فيطلب منهم البحث عن فتاة مناسبة لابنه.

فقد تزوج ابن عمي "محمود الصوص" من قرية يصيد - قضاء جنين. وتكون والدة زوجته أختا لزوج اخته المتزوجة في "دير استيا"، والتي أخبرت أخيها عن هذه البنت فكان النصيب! كما أن شقيقه الشيخ يوسف وابن أخيهم احمد تزوجا فيما بعد من شقيقتا زوجته.

وقد تجاوز بعض أهالي قلقيلية القرى المجاورة، وتزوجوا من مناطق أخرى مثل، نابلس وطولكرم، جنين، رام الله والقدس والخليل والضفة الشرقية وقبرص... وغيرها.

بعد اختيار الشريك وموافقة الأهل، يأتي دور العادات الرسمية التي اختلط فيها القديم التقليدي بالحديث المعاصر، وذلك بحسب طبيعة الأسرة، من حيث التدين والالتزام بالعادات والتقاليد الشعبية المتوارثة.

5. الطلبة التمهيدية:

وبعد إن تعجب الام بهذه الفتاة، تخبر ابنها بأمرها، وتمدح جمالها ورقتها. فإذا وافق الابن على هذه العروس، تبدأ الطلبة التمهيدية، حيث تذهب الأم مرة أخرى وتطلب يد العروس لابنها، فيطلب أهل العروس ممن تقدموا لطلب يد ابنته إمهالهم يومين او ثلاثة لعرض الأمر على اعمام العروس وأخوالها لاعلامهم بالامر، ولمعرفة ما اذا كان رغبة لأحد أبناء العمومة في الفتاة، فإذا تحرّاها احداً من ابناء العمومة، قضي الأمر وتزوجت من ابن عمها، أو تتم الموافقة على العريس بعد السؤال عنه. بعد موافقة اهل العروس المبدئية على العريس المتقدم لها، ترسل ام العروس او والدها من يخبر ام العريس او والده بموافقتهم المبدئية على العريس.

يحضر العريس ووالده واخوته وتقدم لهم القهوة، بينما تجلس النساء مع العروس في غرفة اخرى. وبعد احتساء القهوة يطلب والد العريس يد العروس من والدها، وكان من النادر جدا ان يرى العريس عروسه، وغالبا ما كان يراها فقط في ليلة الدخلة.

لكن منذ بداية عقد الخمسينات من القرن الماضي وبعد ازدياد الوعي الاسلامي لدى الناس اخذ المجتمع يتقبل حق العريس الشرعي برؤية عروس المستقبل، ويتحدد لذلك موعد لرؤيتها ويتم بين عائلتا العروسين فقط. وتقدم العروس القهوة إلى العريس وأهله، ويختلس العريس النظر إليها بين الحين والآخر ويتفحص جمالها ومفاتنها، وقد يتحدث إليها. وإذا نالت أعجابه، وكانت كما وصفتها له امه، أشار الى أمه او والده بالموافقة عليها. وبعد احتساء فنجان القهوة يتقدم والد العريس بطلب يد العروس لابنه من والدها وهو يقول "لنتشرف بطلب يد ابنتكم فلانة لابننا فلان". فيطلب اهل العروس إمهالهم ثلاثة ايام ليردوا الجواب النهائي. ويغادر العريس وأهله بيت العروس في الحال بعد طلب يدها. وجرت العادة الاّ تتم الموافقة على العريس في هذه الجلسة، حتى ولو كان "عريس لُقْطة"، لئلا يُظهر أهل العروس تلهفهم على العريس. وتسأل الأم ابنتها عن رأيها في العريس، فاذا أعجبت به وأبدت موافقتها عليه، يتم إخبار والد العريس بالموافقة، ويتفقون على تحديد المهر المعجل (المتقدم) والمؤجل (المتأخّر)، وعلى ترتيبات الطُلبة الرسمية والخطوبة.

وكانت العروس لا تمانع حتى نهاية عقد السبعينات من القرن الماضي أن تسكن مع اهل العريس في إحدى غرف البيت، ولكن مع تطورات العصر الحديث وتحسن أحوال الناس المعيشية، أصبحت الزوجة تشترط مسكنا خاصا بها، ومنفصلا عن بيت أهل زوجها. ونادرا ما تقبل الزوجة هذه الايام ان تعيش في بيت والد العريس، الا اذا كانت من الاقارب، او كان العروسين صغيرين في السن، ولكي يبقوا حتى رعاية وإشراف الأبوين.

6- الطلبة الرسمية:

بعد الترتيبات الأولية بين الأسرتين يتم تحديد موعد الجاهة أو ما يسمى بالطلبة، يقوم والد العريس بإعلام وجهاء العائلة ومختار او شيخ الحامولة بنيته تزويج ابنه، ويسمي عائلة العروس، وبعد نيل موافقتهم، يقومون  بتشكيل جاهة تتناسب مع مكانة اهل العروس، ويتوجهون حسب الموعد المحدد  الى بيت العروس او ديوان عائلتها،  لطلب يدها من اهلها وعائلتها والجاهة مجموعة من الرجال من ذوي الشأن الديني والاجتماعي ومن ذوي المروءة والكرم، تشارك في المناسبات الاجتماعية المرموقة، مثل خطبة عروس، او استقبال المسؤولين، والمشاركة في الأفراح، وتقديم التعازي، وإصلاح ذات البين. وبشكل عام يرأسهم رجل يتحدث باسمهم، ويفتتح الحديث في كل المناسبات ويدير دفة الأمور.

وتضم الجاهة عادة كبار عائلة العريس وأفراد الاسرة واعمام واخوال العريس واولادهم، والاصدقاء والمعارف والجيران ومختار ووجهاء الحامولة التي ينتمي إليها العريس، وبعض وجهاء ومخاتير البلد. ويفضل ان تضم الجاهة عددا كبيرا من الوجهاء ورجال العائلة والحامولة، بالاضافة الى وجهاء من الحمايل الاخرى، وذلك تعبيرا عن الإحترام ورَفعاً لمقدار ومقام أهل العروس.

وتتوجه الجاهة الى بيت والد العروس او الى ديوان الحامولة، ويقوم هو وأهله ووجهاء حامولته باستقبالهم والترحيب بهم، وتقدم القهوة السادة للضيوف، وقبل ان يشربها كبير الجاهة (وغالبا ما يكون أكبرهم سنا، وأفصحهم لسانا، وأعلاهم شأناً) يضع الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامه، وينهض يواقفا، ملفتا اليه انظار الحاضرين، وكلهم آذانا صاغية، يكاد لا يسمع صوتا لهم، ويبدأ بالكلام نيابة عن أهل العريس، مخاطبا الحضور، ومركزا نظره تجاه  والد العروس وأهلها، ويبدأ الطلبة بتلاوة آية من القران الكريم: "ومن آياته ان جعل لكم من أنفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة". ويذكر محاسن أهل العروس وعائلتها والتشرف بنسبهم، ويطب يد العروس يقوله: "لنا الشرف العظيم ان نطلب يد ابنتكم فلانة الى ابننا فلان، على سنة الله ورسوله". ويقف في الجانب الأخر وجيه العائلة او والد العروس، ويردد بعض الكلمات التي تنم عن الموافقة والتقدير للجاهة، مثل قوله: (مبروكة البنت عليكم، البنت بنتكم،  اشربوا قهوتكم، وأهلاً وسهلاً بيكم) او (اللي جيتوا بيه، ابشروا فيه)، وتقرأ الفاتحة. وكان في بعض الأحيان،  وقبل أن تقرأ الفاتحة، يُعلن والد العروس عن قيمة المهر المتفق عليه، والشروط التي قد يضعها أهل العروس، وذلك لتأكيد ما تم الاتفاق عليه. وتصب القهوة لكل الضيوف تعبيرا عن كرم أهل العروس وترحيبا بكل من حضر للمشاركة بالطلبة، وتقدم لهم المشروبات والحلوى، ويبدأ الحاضرون بتقديم التهاني والتبريكات للعريس وأهله.

ويقول الحاج محمد هلال- أبو بلال 87عام، إن دور الجاهة عند طُلب يد العروس في قلقيلية، هو دور شكلي، ويقتصر على تقديم الاحترام والتقدير لولد العروس وأهلها، من ناحية، وإشهار الزواج وإعلان الارتباط الرسمي، بين عائلة العريس وعائلة العروس من ناحية أخرى. وليس من مهام الجاهة الضغط على أهل العروس لأخذ الموافقة، لأن الموافقة على الزواج وكل الأمور المتعلقة به، يكون قد تم الاتفاق عليها مسبقا بين أسرتي العروسين، وقبل حضور الجاهة. ورغم ذلك، فهي لا تزال الخطوة الأولى في موضوع اي زواج، ولا يمكن الاستغناء عنها او التقليل من أهميتها ومكانتها..

وقد يتعدى دور الجاهة طلب يد العروس وتكريم أهلها، إلى الصلح وتجسير الخلافات وحل المشاكل، التي قد تقع بين الزوجين في المستقبل.

 وكان أهل العريس في الماضي -خاصة اذا كانوا غرباء من قرية اخرى- يحرصون على تقديم بعض المال او بعض الذبائح وأكياس من الأرز والسكر والقهوة العربية لشيخ العشيرة او الحامولة، حتى ينالوا رضاه وموافقته على الزواج من رجل غريب.

7- الخطوبة:

 يتم الاتفاق على موعد آخر لكتب الكتاب أي عقد الزواج، وبعد تحديد موعد الخطوبة الرسمي يتم توجيه الدعوة للأهل والأقارب والجيران والأصدقاء، لحضور مراسيم الخطوبة أو عقد القران، التي غالبا ما تكون بسيطة لا تتعدى اجتماعا بسيطا لفترة قصيرة بين صلاة العصر أو بين المغرب والعشاء، حيث كان يحضر إمام المسجد او المأذون الشرعي، الى بيت والد العروس، ويكون العريس وأهله واقاربه والمدعوون بانتظاره، فيدخل المأذون وأحد محارم العروس لأخذ موافقتها، وبعد ذلك يكتب المأذون الشرعي عقد الزواج بحضور أهل العروسين. ويتم ألإعلان عن كتب الكتاب ويعلن المأذون قيمة المهر المعجل والمؤجل، والشروط التي قد يفرضها الزوج أو الزوجة، وتقرأ الفاتحة. ويتقبّل العريس التهاني والمباركة من الحاضرين، وتوزع الحلوى والمشروبات والقهوة السادة على الحاضرين.

اما اليوم فيتم كتب الكتاب بطريقتين: إما أن يذهب العريسان إلى المحكمة الشرعية ويكتب كتابهما هناك بمصاحبة ذويهم والشهود، او ان يحضر المأذون الشرعي ويكتب الكتاب في بيت والد العروس، وبوجود ذويها والشهود العدول، وهي الطريقة الاكثر استخداما في قلقيلية. اذ يذهب العريس مع بعض ألافراد من عائلته ومعهم المأذون الشرعي إلى بيت العروس، ويقوم والدها وأعمامها وبقية أهلها باستقبالهم. بعد الانتهاء من شرب القهوة يبدأ المأذون الشرعي في إجراءات عقد القران. ثم

ينتقل المأذون الشرعي مع والد العروس أو احد محارمها إلى الغرفة المجاورة لرؤية العروس، وسماع قبولها للزواج من الخاطب، وتكملة بقية الإجراءات.

بعد ذلك يعلن المأذون الشرعي كتب الكتاب ويطلب قراءة الفاتحة، ويبارك الحاضرون للعريس ويتمنون له حياة سعيدة مليئة بالخير والسعادة والذرية الصالحة، ويقدم اهل العروس واجب الضيافة من الحلويات والمشروبات الى الضيوف الحاضرين.

ومن المشاكل التي يصادفها العروسان بعد الخطوبة إخفاء العروس عن عريسها، حتى أنها لا تذهب إلى بيت أهله ولا تمرّ من الشارع الذي يقطن فيه، كما يمنع العريس من زيارة بيت العروس إلا باصطحاب والدته أو أخواته، ولا يُسمح له ان يرى العروس مهما طالت مدة الخطوبة.

ويذكر الحاج صبحي هلال ابو هاشم (85 عام) انه عندما خطب زوجته مُنع من رؤيتها، وإنما خطبها بناءا على وصف أبيه وأمه لمحاسنها وجمالها. ولم يرآها الا مرة واحدة بعد الخطوبة، وهي  تمر بالصدفة من الحارة بصحبة امها واخواتها.

ومن المعتاد أن يقدم العريس هدية للعروس في كل عيد قبل الزواج مهما طالت المدة، وعادة ما تكون حسب مقدرة العريس المادية. ويذهب العريس في العيد مع امه واخواته، لكن لا يسمح له رؤية العروس، ويجلس العريس مع الرجال بينما تجلس امه واخواته مع العروس وامها. ويستأذن العريس لمعايدة حماته، فيذهب والدها او احد اخوتها ويطلب من العروس مغادرة الغرفة، فيأتي العريس ويقبّل يد حماته ويقدم العيدية لها والهدية ولعروسه. وقد تكون عيدية العروس اسورة او خاتم من الذهب او ثوب او قطعة من القماش.

وكان قديما يشترط عند كتاب الكتاب ان يقدم العريس لأكبر أعمام العروس واكبر اخوالها هدماً يسمى "هدم العم" و "وهدم الخال"، ويتم تحديد قيمة هذا الهدم ونوع القماش. ويحضر العريس الهدمان عند احضار كسوة العروس.

ويقول الحاج صبحي هلال- ابو هاشم 85-عام- ان تقديم هدم للعم وآخر للخال، هو في الواقع بدل موافقتهما على هذا الزواج وتنازلهما عنها لهذا العريس، وكذلك بدل قيامهما باخراج العروس من بيتها وتسليمها لاهل العريس، والاهم من ذلك بدل قيامهما بزيارة البنت في مناسبات الاعياد وتقديم العيديات لها، واذا لم يقدم العريس لهما الهدمان، فان العرف الشعبي يعفيهم من زيارتها في الاعياد وتقديم العيديات لها.

8- المهر:

المهر حق مالي للمرأة على الرجل الذي يتزوجها بعقد زواج صحيح، وليس لأبيها ولا لأقرب الناس إليها أن يأخذ شيئًا من مهرها إلا بإذنها ورضاها، قال تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة}. وقد يكون مهر العروس على شكل نقد او ذهب او عقار – ارض او بيت، وقد يقدم المهر على شكل مواشي وأبقار وجمال.

ورغم ان هناك العديد من الأحاديث التي رغبت في تقليل قيمة المهر، "خير نساء أمتي: أصبحهن وجها، وأقلهن مهرا".. "خير النكاح أيسره"، إلا انه لم يرد نصا في القرآن أو في السنة النبوية يحدد قيمة المهر قليله أو كثيره ليقيد به أفراد المجتمع، إنما ترك الأمر مفتوحا، وهذا من تيسير الدين لأن الذي يتحكم في مقدار المهر تفاوت الناس في المستوى الاقتصادي والمكانة الاجتماعية، بالإضافة إلى الاختلاف في الطباع والعادات والتقاليد. وهذه الجوانب تختلف من مجتمع لآخر، وكذلك تختلف في المجتمع الواحد من فترة زمنية لأخرى، بل أنها تختلف في المجتمع الواحد من طبقة اجتماعية لأخرى.

والمهر بالنسبة للمرأة يعتبر حقاً ثابتاً لها، فهو بدل حريتها وخضوعها للرجل. والى جانب حصول المرأة على مهرها أو جزء منه برضاها، فانها ايضا تحصل على مبلغ أو هدايا من أهلها لا علاقة لها بما يدفعه لها العريس، وهي بمثابة مكافأة لها على الخدمة المنزلية اليومية أو خدمة الأرض والعمل ضمن وسائل الإنتاج السائدة والمتوفرة بيد الأسرة.

وكانت البنت تعتبر عضواً في الأسرة وجزءاً لا يتجزأ من وسائل الإنتاج، والتخلي عنها بالزواج هو تخلّ عن جزء من القوة الفاعلة من قوى وسائل الإنتاج في العائلة، ولذلك كان مهر البنت، التي تعمل في الحقل مع أسرتها أعلى من مهر البنت التي لا تعمل، ذلك لأن البنت التي تتزوج لا تعود تعمل في أرض أهلها، بل تصبح جزءاً من اليد العاملة في بيت زوجها، لذلك كان على الزوج ان يدفع مهرا أعلى مقابل ذلك.

ويقول الحاج محمد سعيد هلال (ابو بلال 85 عام) في هذا الصدد، إن البنت التي كانت تعمل في الحقل مع أبيها كان مهرها أعلى بما يوازي الضعفين من البنت التي كانت لا تعمل.

وظلت مناسبة الزواج تعامل بحرص كبير، وينفق فيها ومن أجلها أقصى ما يمكن أن تتحمله الأسرة من نفقات. وعلى الرغم من ان الزواج يتم بين شخصين اثنين –العريس والعروس، الا ان الزواج في الواقع يتم بين عائلتين او حتى عشيرتين. فلا يمكن ان يتم الزواج بناء على رغبة العريس وحدها، بل يجب ان ينال موافقة أهله وعشيرته على عائلة العروس وعشيرتها، اذا كانت الزوجة من عشيرة من غير عشيرته، او من قرية غير قريته. فاذا كان هناك ما يعيب عائلة عروسه او عشيرتها، فيرفض الزواج قطعيا، لأن ذلك يسيء إلى كل العشيرة وليس إلى عائلة البنت فقط. ويكون الرفض عادة اما بسبب عداوة قديمة بين العشيرتين، او ان هناك ما يعيب عشيرة العروس مثل البخل، او امتهان السرقة، او عدم توريث النساء ..الخ، لان الزواج في الماضي كان يعدُّ نوعا من التحالف بين عائلتين او عشيرتين، وليس مجرد ارتباط بين شخصين فقط. فمسالة الزواج تقررها أسرتا العروسين، وليس الزوجين. وهناك تباين واضح في قيمة مهر العروس قديما وحديثا، حيث أن قيمة المهر تتأثر بعدة عوامل، مترابطة مع بعضها البعض، منها:

•           إن مهر الأرملة أو المطلقة يكون عادة اقل من مهر البنت العذراء البكر

•           ان مهر المرأة العاملة يكون أعلى من المرأة التي لا تعمل في الحقل مع زوجها

•           إن المهر يكون عاليا في حال زواج البنت خارج قريتها، حيث تكون ظروف الحياة فيها أكثر صعوبة من قريتها. كما أن أهلها سيضطرون للسعي إليها لزيارتها والسؤال عنها.

•           إن المهور في المدينة او في قرية ذات وضع اقتصادي جيد، هي أعلى منها في قرية فقيرة، وهذا يدل على أن المهر هو قيمة اقتصادية، مرتبطة بوضع اقتصادي معين.

•           الجمال: كلما كانت البنت جميلة كلما كان ذلك ادعى إن يكون مهرها عاليا وبالعكس. واذكر في بداية السبعينات انه تنافس شابان من قلقيلية للزواج من بنت جميلة من إحدى القرى، وكانت البنت من نصيب الشاب الذي دفع مهراً أعلى من الآخر!

•           يكون مهر البنت صغيرة السن في العادة أعلى من مهر البنت الكبيرة السن، ومهر البنت المتعلمة أعلى من غير المتعلمة، واذ كانت البنت موظفة او عاملة يكون مهرها أعلى من مثيلاتها من غير العاملات.

•           ويكون مهر البنت أعلى اذا كانت بنت أصل وفصل، ومن عائلة ذات حسب ونسب، ولأهلها مكانة اجتماعية.

•           وترتبط قيمة المهر أيضا بغنى وثروة عائلة البنت، وما يمكن ان ترثه من أهلها. فالمرأة التي يكون أهلها من أصحاب الأملاك، يكون مهرا اعلى من تلك التي لا يمتلك أهلها شيئا.

•           تنخفض قيمة المهر اذا كان بالعروس أي عاهة او علّة، كعدم سلامة نطقها او حول في عينها او عرج في رجلها، او عمش في نظرها او خلل في سمعها. وكلما كبرت نسبة العجز في البنت، كلما كان المهر اقل. (ويذكر الأستاذ هلال ربحي هلال أن أناسا خطبوا عروسا لابنهم، ودفعوا المهر المتفق عليه، وتبين لهم فيما بعد أن العروس "تلدغ" - أي أن نطقها ليس سليما- فطلب والد العريس من أهل العروس استرداد جزءا من قيمة المهر، مقابل ذلك؟!

•           وفي العادة يدفع ابن العم مهرا اقل لعروسه، لأحقيته بها من غيره.

وينظر إلى المهر في الوسط الشعبي على انه رباط للرجل، بحيث أن أراد ان يطلق زوجته، فإن عليه ان يدفع لها المهر المؤجل، وهو حق لها، ويكون في نفس الوقت، حافزا للآخرين من الرجال ليتزوجوا منها طمعا بما تملكه من مال.

ومن اجل التخفيف على الشباب وتسهيل زواج بناتهم، يحدث هذه الأيام ان يطلب أهل العروس مهرا معجلا اقل بكثير من المهر المؤجل، كأن يكون مهر العروس دينارا واحدا معجلا، وثلاثة آلاف او خمسة آلاف أخرى مؤجلا.

وكان قديما يقل احترام المرأة في المجتمع عندما تتزوج دون مهر أو بمهر قليل، لأنها وفق المفهوم الشعبي قد تنازلت عن ذلك في سبيل ان يقبل العريس بالزواج منها!

وكانت البنت في السابق تمثل قيمة مالية لأهلها، لان زواج الأبناء في حالات كثيرة كان يعتمد على مهور البنات، فكان الأب يقوم بتزويج ابنه من مهر أخته، وأحياناً اخرى يكون الزواج بالمبادلة (زواج البدل بالأخوات) دون مهر.

ويقدر متوسط قيمة المهر (المعجل والمؤجل) في قلقيلية هذه الأيام ما بين خمسة الى  ثمانية آلاف دينار أردني، ووصل اعلى مهر هذه الأيام الى 17 الف دينار اردني- 7 الاف متقدم، و 10 الاف متاخر، وادنى مهر الى ثلاثة ألاف دينار- دينار واحد متقدم، و 3 ألاف متأخر..

وتقوم العروس بشراء الحلي من الذهب والكسوة من المهر الذي يقدمه لها العريس. وقد تقدم البنت جزءا من المهر لابيها وامها، تكريما لهما على قدموه لها من عناية ورعاية طوال حياتها معهم.

ارتفاع المهور العنوسة:

•           لقد ترتب على ارتفاع المهور وارتفاع الأسعار وعدم قدرة الشباب على تأمين كافة متطلبات الزواج وما يترتب عليه من مشكلات اجتماعية متعددة، أهمها ارتفاع نسبة العنوسة عند كلا الجنسين- الذكور والإناث. واذا كانت عنوسة الذكور وعزوبيتهم خيارا حرا لهم، فان الأنثى لا تتمتع بمثل هذا الخيار، ولا ترغب فيه، لما قد يسببه عدم زواجها من شعور بالنقص، بأن لا أحد يرغب بالزواج منها.

•           وللعادات والتقاليد الاجتماعية السائدة والرغبة في تقليد الآخرين دور كبير فى فرض الشروط وارتفاع تكاليف ومتطلبات الزواج، فقد كانت الأفراح قديما تقام في البيوت مجانا، أما اليوم فتقام في صالات الأفراح، كما تنفق الأموال الكثيرة في أمور كمالية ترفيهية غير ضرورية، وبنود استهلاكية تثقل كاهل الزوجين والأسرة المستقبلية.

كما ان تكاليف الزواج لم تعد مقصورة على المهر وحده، وانما تشمل أيضا اثاث البيت وإيجارات السكن، وجهاز العروس، وتكاليف حفلات الخطوبة والزواج، وغيرها من متطلبات الزواج، والمباهاة والتبذير الذي يرافق الكثير هذه الحفلات.

•           وقد يغالي الأهل في قيمة المهر لعدم رغبة الأسرة في تزويج ابنتهم، باعتبارها مصدر دخل للأسرة، وهي التي تنفق على البيت، وأنه في حال زواجها سيفتقدون هذا المصدر

•           اعتقاد البعض انه كلما كان المهر مرتفعا كلما كان ذلك أكثر إلجاما وتقييدا للشاب من تعدد الزواج، وعدم التفكير في الطلاق، وفي ذلك توفير الأمان لابنتهم وحمايتها من ظاهرة التعدد او الطلاق. ولقد جهل هؤلاء الآباء أنه في الحالة التي تصل فيها الحياة الأسرية إلى جحيم لا يطاق، وأنه لا يمكن الاستمرار سيقدم الزوج على الانفصال مهما كانت التكاليف التي ستنتظره عالية.

•           واذا كان المؤخر الصداق باهظا قد يلجأ الزوج إلى تضييق الخناق على الزوجة، واستخدام كل اشكال الإيذاء النفسي أو الجسدي حتى تصل الزوجة إلى الحد الذي تطلب فيه الطلاق، ولن تنل ذلك إلا بالتنازل عن كل حقوقها ـ التي كان يعتقد الأهل أنه ستكون طوق الأمان والنجاة لابنتهم.

•           ان ارتفاع تكاليف الزواج مقارنة مع متوسط الدخل لدى الشريحة العظمى من الشباب في ظل تفشي البطالة، وغلاء الأسعار، هي من أسباب عزوف الشباب عن الزواج. وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أربعة معايير رئيسية في اختيار الزوجة، حيث قال: "تنكح المرأة لمالها وجمالها وحسبها ونسبها ودينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، فرجّح معيار الدين، كون أن الدين هو الحصن المنيع الذي من خلاله يمكن حفظ البيوت وضمان لاستمرار العلاقة الزوجية. وهذه دعوة للشباب المسلم لتفضيل الزواج من البنت المتدينة، تحاشيا لتكاليف الزواج العالية، حيث إن طلبات الزوجة المتدينة دائما ما تكون متواضعة جدا، فهي تخاف الله، ولا تريد تحميل زوجها ما لا طاقة له به، مما يؤثر إيجابا في حياتهما الزوجية، وتتحقق بينهما السكينة والمودة والرحمة.

***

9- إشهار الخطوبة:

بعد ذلك تأتي مرحلة إشهار الخطوبة، ويحدد موعدها بعد كتب الكتاب، حيث توزع قبل موعد الخطبة بطاقات دعوة للمدعوين يبين فيها التاريخ واليوم والساعة التي ستقام فيها "المباركة" التي غالبا ما تقام في بيت او ديوان أهل العروس. ويتوافد المدعوون حسب الموعد المحدد للمباركة ويتم توزيع الحلويات والمرطبات. وقديما كانت تقدم حبة راحة حلقوم وفنجان من القهوة السادة. اما في عقد الخمسينات والستينات من القرن الماضي فكانت تقدم علب الأفراح (وهي وعاء صغير من الخزف الصيني، يوضع فيها بضعة حبات من الملبس، وتلف بالجلاتين) كما كان يقدم شراب التوت للمدعوين.

أما بالنسبة للعروس فكانت تقام حفلة الخطوبة في بيت والدها، أما حاليا فتقام في صالات الأفراح، التي يتم الحجز فيها قبل عدة أسابيع او شهور. وكانت الماشطة تقوم بتزيين العروس وتلبيسها، اما الآن فانها تزيّن في صالون التجميل عند "الكوافيرة" وترتدي فستانا يناسب حفل الخطوبة، وتجلس في مكان مرتفع يسمى "اللّوج"، ويتجمعن عندها قريباتها وصديقاتها وبنات جيرانها، ويغنّون لها ألاغاني الشعبية المعروفة في قلقيلية، تعبيرا عن الفرحة بالخطوبة، والتمني للعرس حياة سعيدة في كنف زوجها.

وبعد أن ينتهي العريس من المباركة في الديوان، يأتي مع والده وعمه ويجلساه الى جانب العروس، ويلبسها الشبّكة والتي من أهمها "الذبلة" والاسوارة والعقد الذي تزين به عنقها. ويختلف مقدار الشبكة او التلبيسة حسب قدرة العريس، وهذه تكون بمثابة هديَّة يقدمها العريس لعروسه، وغالبا لا تكون داخلة في حساب الذهب، الذي يعتبر جزءاً من المهر المقدم للعروس من عريسها. وبعد انتهاء مراسيم الخطوبة، يتم الاتفاق على تحديد موعد الزفاف الذي قد يطول أو يقصر حسب ظروف العروسين. وغالبا ما كان يتم الزواج في الصيف بعد انتهاء موسم الحصاد.

وخلال فترة الخطوبة لا يسمح للفتاة بمغادرة البيت أو الالتقاء بأحد. فالحب مسالة غير مصرح بها من الناحية العملية، فلا يجوز للعريس ان يلتقي بعروسه ويتحدث معها على انفراد، بل يتم بوجود اهل العروس، او أحدا منهم.

10. خشّة الدار:

بعد عقد القران واشهار الخطوبة يحدد موعد لزيارة أهل العريس لدار العروس، من اجل المزيد من التعارف وتآليف القلوب بين اهل العروسين، ويكون فى استقبالهم والد العروسة ووالدتها واخواتها. ويحمل اهل العريس معهم الهدايا كالحلويات والتحف وبعض الاقمشة والثياب للعروس تكون قد اشترتها اخوات العريس وامه.

11- نقل الكسوة الى بيت العروس:

تبدلت العادات.. والزواج واحد

الفاردة في قلقيلية

**

من العادات والقيم التراثية الأصيلة التي كانت سائدة قديما في قلقيلية ، أن يرسل اهل العريس كسوة العروس، التي اشتراها لها عريسها، الى بيت اهلها، وكذلك نقل العروس يوم زفافها من منزل والدها الى بيت عريسها. وتتم مراسم نقل الكسوة ونقل العروس، في موكب جميل يسمى الفاردة.

عرف العرب "الفاردة" منذ القدم، فهي الموكب البهيّ والمميّز، الذي يذهب لإحضار العروس من بيت أهلها، الى بيت زوجها.

وتعتبر الفاردة أحد مكونات الموروث الشعبي، الذي يتّبع في الأعراس، للتعبير عن الفرح الذي يصاحب العرسان، وإشهاراً لزواجهما. وتحمل الفاردة في طياتها أجمل معاني الارتباط بين الزوجين.

وقد أخذت الفاردة اسمها من (الفارد)، وهو الجمل المزين، فقد كانت العادة تقتضي أن يأتي أهل العريس بعددٍ من الإبل فارداً وراء فارد، في زفة وغناء، لإحضار العروس إلى بيت زوجها. وكلما كان عددها كبيرا كانت الهيبة اكبر، لكونها تعطي العزة والرفعة والتقدير لأهل العروس، بعد أن تؤخذ العروس إلى بيت زوجها، أمام أعين أقاربها، وأهالي قريتها.

ويقال ان الفاردة هي "لفرد العروس عن غيرها من النساء".

1. فاردة الكسوة (نقل الكسوة الى بيت العروس):

كان العريس هو الذي يقوم بشراء كسوة العروس وجهازها، كما يقوم بشراء "هدم العم"، و "هدم الخال". كما يشتري العريس لكل ذوي ارحامه كخالاته وعماته واخواته، ثوب لكل منهن.

وحال تجهيز الكسوة من ثياب وأدوات الزينة، توضع في وسط قطعة مربعة الشكل من الحرير او القماش المخملي المطرّز، تسمى فرش الكسوة، وترد عليها أطراف القطعة الأربعة ويعقد كل طرفين متقابلين، وتصبح على شكل صرة كبيرة. وقد يكون هناك اكثر من صرة حسب قدرة العريس، ومروؤته. وفي فترة لاحقة اخذت الكسوة توضع في شنطة او اكثر، وتنقل في مراسم احتفالية على رؤوس قريبات العريس، وينطلقن من بيت العريس الى بيت العروس، في مجموعة كبيرة من النساء تسمى "فاردة وهن يرددن الأغاني طوال الطريق على ضرب الدفوف، ويطلقن الزغاريد، من حين لآخر، يمدحن فيها العريس وعشيرته، وكذلك أهل العروس وعشيرتها ان كانت من غير عشيرة العريس.

وكان صندوق العروس حتى نهاية العهد التركي، يُعد شرطا أساسيا من شروط إتمام عقد الزواج بين الزوجين في قلقيلية، ومن المتطلبات الأساسية المتممة للزواج، ومن ضمن جهاز العروس، إلى جانب المهر والكسوة والمجوهرات.

 وسمي بـ "صندوق العروس"، لأن العروس كانت تضع فيه ملابسها، وأدوات زينتها، وكل ما هو ثمين لديها. وهو عبارة عن قطعة أثـاث على شكل صندوق كبير من الخشب المتين، يُجمّل بنقوش زاهية وزخارف جميلة، وكان يُعدّ في الماضي بمثابة خزانة لحفظ ملابس ولوازم العروس على اختلافها.

شبابنا هوَّدت والعين ترعاهم

وصلوا بيت الاصايل والعين ترعاهم

***

شبابنا هوّدت مية على مية

يا فارس خيِّلها ولد الزيدوية

يا فارس خيِّلها ولد النزالية

***

جورّي يا نزالية

جورّي من الألف للمية

***

وعندما تصل النسوة إلى بيت العروس يفرشن الكسوة على صواني من القش ويحملنها على رؤوسهن ويقمن بالطواف في البيت وهن يرددن:

يا خي دار الفرح ما أحلاها

هي عالية والفرح جُوّاها

****

يا خي دار الفرح معمودة

هي غالية والعروس مصمودة

***

وتتغنى النساء بجمال تلك الملابس وحسن جودتها وغلائها، والثناء على الرجل الذي اشتراها لعروسه، ولم يبخل عليها بشيء.

وحتى التسعينات من القرن الماضي كان اهل العريس واهل العروس معا يقومون بشراء كسوة وجهاز العروس. وتشمل الكسوة الثياب وأدوات الزينة والحلي والعطور وأغطية الرأس، والجلباب وقميص النوم والملابس التحتية وغيرها.

اما اليوم فيقوم العريس بتقديم مبلغا من المال إلى عروسه لشراء الكسوة، ويكون حسب قدرته المادية ومكانة أهل العروس، وتشتري العروس ما يحلو لها من ثياب، وأدوات الزينة، عدا بدلة الزفاف البيضاء.

ويقوم العديد من العرسان بهدف التخفيف عن كاهلهم من مصاريف حفل الزواج، يقوم العريس باستئجار بدلة زفاف العروس بدلاً من شرائها. ويوجد في قلقيلية هذه الايام عدة محلات متخصصة في تأجير أجهزة العرائس، بسبب ارتفاع ثمن ثوب العروس الأبيض، الذي يكلف اكثر من 800 دينار مع الطرحة والإكليل، ولأن هذا الثوب تلبسه العروس لليلة واحدة فقط، ولساعات معدودة، فأصبح من غير المعقول دفع مبلغ كبير لثوب تلبسه العروس لعدة ساعات، لذلك زاد الطلب على استئجار ثوب العروس بدلا من شراءه، نظرا للفرق الكبير بين سعر الشراء وتكلفة الاستئجار، الذي لا يتجاوز المائة والخمسون دينار أردني.

لكن وصلت في بعض الأحيان تكلفة استئجار بعض أثواب العروس المتميزة هذه الأيام الى ثلاثماية دينار أردني لليلة واحدة فقط!

12- موسم الزواج:

لدى الناس في الوسط الشعبي أوقات مناسبة ومواتية لإقامة حفلات الزواج ، إلا انه بالمقابل هناك أوقات غير مناسبة إطلاقا، اذ يندر إن تتم حفلة الزواج في موسم حصاد المحصول، او وقت قطف الزيتون، حيث تنشغل الأسرة بكاملها في جني المحصول الذي انتظرته طوال الموسم، كما انه من غير المناسب ان يتم الزواج في شهر رمضان، ذلك لان هذا الشهر هو شهر عبادة وصيام وقيام وتفرغ للتقرب إلى الله تعالى، ولا يتناسب مع وقار هذا الشهر ان تقام حفلات رقص وغناء، هذا فضلا عن ان الناس لا يستطيعون تقديم الطعام والشراب المصاحب لمناسبات الاحتفال بالزواج. كما انه تقلُّ كثيرا مناسبات الزواج في فصل الشتاء، ذلك لان حفلات الابتهاج الحاشدة كانت تتم في الساحات العامة من القرية، التي تكون بطبيعة الحال معرضة للبرد وهطول المطر. كما انه لا يمكن عمل زفة للعريس في شوارع القرية المبللة فتتسخ ثياب المحتفلين بالزواج.

لذا كانت معظم مواعيد حفلات الزواج في قلقيلية تتم في فصل الصيف بعد الانتهاء من الحصاد، والقليل منها في فصل الخريف بعد قطف الزيتون و"درسه". ويشعر الفلاحين -بعد ان يكونوا قد جنوا محاصيلهم المختلفة من الحبوب والغلال- بان من حقهم ان يرفهوا عن أنفسهم لبعض الوقت قبل الانهماك ثانية في الإعداد للموسم الجديد المقبل.

وتكون الخوابي في هذا الوقت ممتلئة بالحبوب والغلال، ويكون الناس قد استراحوا من عناء العمل، وباعوا بعضا من محصولهم، وأصبحت لديهم القدرة على الانفاق على احتفالات الزواج.

وكان الناس بسبب عدم وجود الكهرباء يختارون الزواج في الليالي الواقعة في أواسط الشهر القمري، حيث يكون القمر بدرا ويشع بنوره على القرية.

وتشترك القرية عن بكرة أبيها في الاحتفالات فيجتمع الرجال والأولاد في ساحة القرية، وتوقد ناراً كبيرة او تشعل العديد من القناديل التي تعمل على الكاز لإضاءة الساحة، بينما تتجمع النساء بعيدا عن الرجال، او قد يتجمعن على سطوح المنازل المطلة على الساحة ليشاهدن الرقصات والدبكات الشعبية.

ويعتبر كل أبناء القرية أنفسهم مضيفين، ولذلك فإنهم يلتفتون الى القادمين من أبناء القرى المجاورة، ويفسحون لهم المجال للجلوس ويقومون بواجب الضيافة نحوهم ويقدمون لهم القهوة والسجاير، والطعام.

ومن الواجب ان يذهب أهل العريس إلى البيوت التي تقيم الحداد، والتي مات أقارب لها خلال العام، ليسألوهم الصفح عن إقامة الفرح، ويأخذون معهم السكر والقهوة كهدية، وعادة لا يمانع أهل الفقيد بإقامة الفرح، فالحي أبقى من البيت.. ويدعون لهم بان يتمم الله الفرح على خير.

وكان من العادات السائدة عند الناس في قلقيلية حتى السبعينات من القرن الماضي، ألاّ يتزوج العروسين في الفترة الواقعة بين العيدين- بين عيدي  الفطر والأضحى المبارك، ويؤجلون الزواج إلى ما بعد عيد الأضحى، وكان الاعتقاد السائد لدى الناس بأن من يتزوج بين العيدين، قد يحدث له مكروه، او ينجب أطفالا بعاهات او غير أسوياء.

 13. ليلة الحناء:

تختلف ليلة الحناء عند العروس عن حفلة العرس عند العريس. فللعروس الوداع ودموع الفراق، وللعريس الأغاني والفرح" هكذا فرق التراث الشعبي الفلسطيني بين العروسين، فأغنيات الفرح حكر للزوج "الرجل"، أما العروسة "المرأة" فلها كل أغنيات الوداع والدموع على الفراق(1).

ففي ليلة الحناء تردد النساء أغان تتعلق بوداع العروس والتحسر على فراقها لمغادرة العروس حضن والديها إلى حياة الزوجية، والابتعاد عن أهلها وأخواتها ورفيقاتها، وتظهر أم العروس تشبثها بابنتها وتصور مدى لوعتها وحزنها على فراقها، خاصة اذا كانت ستتزوج في بلد غير بلد اهلها.

وكانت حفلات الزواج في قلقيلية قديما تستمر لعدة ايام وكثيراً ما كانت تمتد لأسبوع كامل أو اكثر وأقلها ثلاثة أيام، تنتهي مساء يوم الجمعة ويكون يوم الزفاف، وتكون ليلة الحناء الليلة قبل الأخيرة من ليله الزفاف، وتعدّ بروفة حقيقية لليلة الزفاف، ولكن مع عدم وجود العريس.

ويتجمع عدد كبير من ألاقارب من النساء وصديقات ومعارف العروس في منزلها مع غروب الشمس، وبعد آذان المغرب تبدأ مراسم ليلة الحناء. وقد استعملت مادة الحناء كاداة أساسية من ادوات تزيين النساء خاصة وقت الزواج، ولا زالت تستخدم في قلقيلية لتزين العرائس قبل ليلة الزفاف.

والحناء ذو لون جميل ورائحته طيبة، وهذا من أسباب انتشار استعماله في تزيين العرائس يوم زفافهن.

وكان الى عهد قريب يوجد في قلقلية امرأة متخصصة في تزيين النساء وتحنيتهن، وتسمى هذه المراة "الماشطة" او "المُحنية"، وهو الاسم الأكثر شيوعا في قلقيلية، وتقوم بعملها مقابل اجر. ومن النساء الماشطات التي اشتهرت في قلقيلية في العقود الاخيرة الحاجة آمنة طه.

واسم الماشطة مستمد من مهمة تمشيط الشعر، الا ان عملها لا يقتصر على تمشيط الشعر وتحنيته بل ايضا نقش يدي ورجلي العروس، بينما تغني لها النساء أغانٍ خاصة بهذه المناسبة.
وقد تتولى الماشطة ايضا "تحفيف" جسد المراة، بازالة الشعر الزائد عن الوجه وتحت الابطين والساقين واليدين. وقد تقوم الصبايا من قريبات العروس وصديقاتها بإزالة الشعر عن جسمها تماما، ويستخدمن في ذلك ما يسمونه بـ "العقيدة"، وتحضر من الماء المغلي مع السكر والليمون.

وكان يحضر أهل العريس الحناء، ويحملنها النساء في سدور على رؤوسهن إلى بيت العروس وهن يغنين طوال الطريق، وعند الوصول الى بيت اهل العروس يزغردن ويمدحن أهلها ويتغزلن بمحاسنها ومفاتنها.

وتقوم المحنية عادة بتولي مهمة تحنية وتخضيب العروس، وتزين يدي العروس ورجليها بنقوش جميلة تعبر عن مشاعر البهجة والسرور. كما تقوم بتحنية والدة العروس واخواتها، وبعض صديقاتها وقريباتها، وتترافق عملية الحناء بأغاني خاصة ورقصات مميزة تقوم باداءها والدة العروس مع صديقاتها، وغالبا ما يكون مضمون الاغاني التغزل بالعروس والتعبير عن جمالها وحسن زينتها.

وغالبا ما تقوم النساء والفتيات المدعوات في ليلة الحناء او "ليلة الحنة" كما تنطق في قلقيلية، بتحنية أنفسهن تعبيرا عن مشاركتهن العروس فرحها وسعادتها في هذه الليلة، وعلى أمل أن يكون حظهن من الزواج مثل حظ العروس. كما يتم تحنية البنات الصغيرات، وكذلك الاولاد الصغار بوضع قطعة من عجينة الحناء في ايديهم ثم يلفون الأيدي بخرق من القماش لكي تبقى محكمة الاغلاق حتى الصباح.

كما كانت العادة ان يقوم العريس ايضا والشباب من أقارب العريس وأصدقائه بتحنية ايديهم اليمين بالحناء. وفي صباح يوم التالي يتم غسل اليد وتنظيفها، فيبقى لونها الأحمر عالقاً على باطن الكف.

14- حفلة العُرُس:

يكون العرس عادة على نطاق أوسع من الخطبة، حيث تتم دعوة عدد كبير من أهل البلد والأقارب والجيران والأصدقاء والمعارف لحضور حفل الزفاف. وتقام حفلة الرجال عادة في ديوان العريس، او في الشارع في الهواء الطلق او في ساحة عامة قريبة من الديوان او من دار والد العريس. وقديما كانت تقام حفلات الاعراس على ضوء اللوكسات والقناديل، وكانوا يحرصون على اقامتها في فصل الصيف وفي حدود منتصف الشهر الهجري، حيث يكون القمر بدراً.

ويستعد العريس لحفلة العرس قبل موعدها بفترة كافية حيث يتم تحديد موعد الحفلة بعد الاتفاق مع الزجالين، نظرا للطلب الشديد عليهم خاصة في فصل الصيف. وتبدأ سهرة الرجال غالبا بعد آذان العشاء، ويحيي السهرة عادة اثنين من الزجالين المعروفين في المنطقة ويتبارزون في الزجل الشعبي. ومن اشهر من كانوا يتبارزون به هو" فلاحة ومدنية، السمرة والبيضة، والسيف والقلم. ويقدم للحضور الطعام والمشروبات مثل الشاي والقهوة او الشراب.

وتقام حلقات الدبكة الشعبية على أنغام الناي "الشبابة" او اليرغول او "المجوز"، وهي الرقصة المفضلة لدى الرجال، والاكثر شيوعا في جميع مناسبات الافراح في قلقيلية. وتشمل الدبكة رقصات متنوعة يقودها (اللوّيح) وهو الذي يقود (الدبيكة) الذين يقفون متراصين في حلقة مفتوحة واذرعهم مدودة فوق اكتاف بعضهم البعض. وتبدأ الدبكة بترديد اغاني الدلعونا على أنغام الشبابة، ثم تبدأ حركة الأرجل بالضرب في الأرض ثم دوران الراقصين خطوة خطوة، وفي لحظة معينة ينفصل اللويح عن الدبيكة ويبدأ بالرقص امامهم، وعادة ما يكون بيده منديلاً معقود الأطراف يلوح به أثناء الدبكة.

وكان من أشهر العازفين على "اليرغول"  المرحوم أبو صلاح من كفر جمال. وحالياً ماجد الهرش والشيخ قاسم داود وهما من قلقيلية.

ومن الزجالين الذين اشتهروا في قلقيلية: الفحماوي، الجلماوي، وموسى حافظ وهم من منطقة جنين، ومحمد ابو الشيخ "أبو سمير" وهو من قلقيلية.

واذا كان العريس مقتدرا يقوم باحضار مطرب وفرقته الموسيقية لتحي حفل العرس، ويقام في العادة في الهواء الطلق.

وقد درج في قلقيلية منذ عام 1995م، على اقامة حفلات الاعراس للرجال في صالات الافراح، عندما بنيت اول صالة للافراح في قلقيلية، وهي صالة الامراء. تبعها اقامة صالة النجوم، والصالة الملكية، وصالة برج نوارة. ويقدم للحضور طعام العشاء، وتتكون غالبا من صحن من الحمص عليه لحمة مفرومة وبعض السلطات والمخلالات مع زجاجة عصير او علبة من المشروبات الغازية.

15- غداء العُرُسْ:

يتم قبل يوم العرس بفترة كافية توجيه الدعوات الى الوجهاء والمخاتير ورجال العشائر والجيران وجميع معارف وأصدقاء عائلة العريس. وفي يوم العرس تقوم النساء بتجهيز الطعام. كما أن الأصدقاء او الاقارب المهنئين من القرى الأخرى، يأتون ومعهم ذبيحة، ويقوم أهل العريس بذبحها وتقديم طعام الغداء لهم، وكان من العادة ان يوضع راس الخروف امام الشخص الذي قدم الذبيحة.

كان طعام الغداء حتى أواسط الأربعينات من القرن الماضي يتكون من فتة الخبز، حيث يقطع الخبز ويغمر في مرق اللحم او بشوربة العدس المجروش، وتسمى "افتيت".

ومع بدء تحسن اوضاع الناس المعيشة، بعد الحرب العالمية الثانية اخذ يقطع الخبز ويصب فوقه مرق اللحم (بدون لبن) ثم يغطى بطبقة من الأرز ويوضع فوقه قطع اللحم.

وفي أواسط الخمسينات بدأ يقدم المنسف في غداء العرس. ويعتبر المنسف الوجبة التقليدية الرئيسية في الاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والدينية في قلقيلية. فيقدم المنسف في حفلات الزواج والوفاة وفي الافطار الجماعي في رمضان.

 وكان الناس قديما يضعون المنسف في باطية مصنوعة من الخشب فوق الحصير، ويسكب مرق اللحم فوق قطع الخبز ثم يضعون اللحم والسمن البلدي، ويتجمع حول الباطية عدة رجال على شكل دائرة. وكانت النساء هي التي تعد الطعام في بيت اهل العريس او بيت احد أقرباءه. وبينما ينقل الرجال المناسف الى الديوان لتقديمها للضيوف تطلق النساء الزغاريد باعلى اصواتهن وهن يمدحن كرم عائلة العريس وحامولته ويبرزن الوجاهة والمكانة الاجتماعية لاهل العروسين.

 لكن عادة تناول الأرز بالأيدي قد اندثرت في قلقيلية منذ سنين طويلة، وأصبح الناس يتناولون المنسف بالملاعق المعدنية او البلاستيك، ومهما كثر عدد الضيوف ومهما تعدد المدعون في مآدب الأفراح.

وتطور المنسف بعد ذلك وأصبح يتالف من طبقة سميكة من الارز المفلفل واللحم، وعند الأكل يضاف مرق اللحم المطبوخ باللبن الرائب او الجميد الى السدر بمغرفة طويلة تسكب امام المعزيم.

وأصبح المنسف يقدم في سدور صغيرة يتجمع حوله فقط اربعة رجال، ثم تطور الأمر وأصبح يقدم في صحون من البلاستيك كوجبة واحدة لكل شخص. اما مرق اللحم المطبوخ باللبن فيقدم منفصلا في كاسات من البلاستيك، ويتناول المدعون الطعام ايضا في ملاعق من البلاستيك. وتستخدم لمرة واحدة فقط، ويتم التخلص منها بعد انتهاء وليمة الطعام. ويتباها المضيف بكثرة اللحم على سدور المنسف، وهو دلالة على كرمه او ثراءه.

ومع تطور المجتمعات أصبح في قلقيلية أناس متخصصون في اعداد المناسف ووجبات الطعام الخاصة بالاعراس، ومنهم سعيد ابو خديجة، شهاب جعيدي، وليد ياسين. ويقوم هؤلاء الطباخين بتحضير المنسف في بيوتهم او في أماكن خارج البيت، ومجهزة بالثلاجات وافران الغاز ومعدات الطهي اللازمة لتحضير المناسف، ومن ثم يحمل الطعام الى الديوان او المكان المزمع تناول الطعام فيه في سيارة ويكون جاهزا للأكل. اما مرق اللبن فيوضع في طنجرة كبيرة ويتم سكبه في كاسات وتوزيعه على مائدة الأكل، عندما يحضر الضيوف لتناول الطعام.

ويتم عادة تناول طعام الغداء بعد صلاة الظهر مباشرة في ديوان عشيرة العريس او في بيت عائلته. كما يقدم مع المنسف مختلف انواع العصائر والمشروبات الغازية والقهوة السادة. وغالبا ما يكون لحم المنسف من الضان او العجل، ويندر استخدام لحم الدجاج في المناسف.

16- حمام العريس:

ويتم عادة حمام العريس في بيت احد أقاربه او أصدقائه، حيث يقوم بدعوته كي يستحم عنده، فيسخن الماء ويحضر الحلاق، وتحضر الليفة الجديدة والصابون المعطرة، وتجهز الملابس الجديدة، والتي كانت تتكون من القنباز والعباءة والحطة والعقال والملابس الداخلية، والحذاء. ثم يقوم الشباب بتغسيل العريس بعد أن يكون الحلاق قد قام بواجبه على أكمل وجه. وفي الوقت الذي يستحم فيه العريس يجتمع الشباب خارج الحمام وهم يرددون بعض الأغاني. ثم يلبسون العريس ثيابه ويعطرونه.

وبعد خروج العريس من الحمام يردد أصدقائه الذين ينتظرون في الخارج:

طلع الزين من الحمام      ...          الله واسم الله عليه

عريسنا زين الشباب         ...      زين الشباب عريسنا

امبارك حمامك يا عريس   ...   اجنيني حاملي سريس 

امبارك حمام العرسان      ...       اجنيني حاملة رمان

17- زفاف العريس:

ويستمرون هكذا سائرين إلى مكان الزّفة الرئيسي، حيث يركب العريس على فرس أصيلة مزينة، حاملاً مظلة تقيه حرَّ الشمس. وتبدأ الزفة عادةً قبل صلاة العصر بساعة، بحيث تصل الى الديوان -للمباركة- قبل أذان العصر. ويصطف الرجال على شكل بيضاوي ويبدأون بالسحجة وترديد ما يقوله الحدّايْ، حتى يصلون إلى الديوان قبل انقضاء صلاة العصر.

صورة تذكارية لزفة احمد يوسف الصوص (ابو نبيل) بتاريخ 1951/10/14. تصوير ستوديو الهدنة-قلقيلية

ويظهر في يسار الصورة المرحوم رفيق حسين نزال (ابو اكرم)، والاستاذ يحيى ابراهيم هلال (ابو المؤيد)،

ومصطفى نوفل (ابو نبيل)، وفرج كامل نزال (ابو المنذر)، ومحمد الهندي (ابو غالب)

***

اما اليوم فنادرا جدا ما نجد العريس يركب على الفرس، وانما يسير مشياً على القدمين، ويقف الى جانبه في الزفة والده او احد اقربائه او أصحابه. وكان يقوم احد اقرباء او اصحاب العريس برش العطور على العريس والمشاركين في الزفة.

وكانت النساء قديما يمشين وراء زفة العريس، وهن يطلقن الزغاريد ويرددن ألاغاني المناسبة على ضرب الدفوف، وتنثر احداهن الملح والشعير على موكب العريس، لاعتقادهن ان ذلك يبعد العين الحاسدة عن العريس ورفاقه.

وعند مرور زفة العريس من امام البيوت، كان يخرج أهلها ليوقفوا الزفة أمام منازلهم، ويقدمون عصير الليمون "الليمونادة" وشراب التوت للعريس ومن معه في الزفة، كما يلقون للأطفال الذين يلحقون بالزفة حبات الحلو من المربى والملبس، لإدخال الفرحة إلى قلوبهم. وهذه صورة من أجمل صور التلاحم والتكاتف بين أهالي قلقيلية، فلم يكن العرس لأهل العريس فحسب أوعشيرته، بل كان بمثابة عرس لأهل قلقيلية جميعهم، والفرح فرح قلقيلية كلها، فكان معظم اهل البلد يشاركون في هذه الأعراس .. هكذا كانت الحياة الشعبية في قلقيلية.

تصل زفة العريس الى المضافة او الديوان، ويقف العريس ومعه والده واخد اعمامه او اخوته في صدر المكان المهيأ لاستقبال المباركين والمهنئين بالزفاف، ينما يبدا المدعوون بالتوافد على الديوان للمباركة للعريس. وتقدم الحلوى والمشروبات الخفيفة والقهوة السادة، ويقدم له اصدقاءه واقاربه النقوط.

العريس عبد الله إبراهيم الشنطي يوم زفافه، يرافقه عمه المرحوم الحاج زكي نمر الشنطي- 2007م

***

والنقوط بالأصل مشاركة اجتماعية اختيارية تأخذ التعبير المادي في معظم الأحيان، ويعتبر نوعًا من أنواع التكافل الاجتماعي، عملت على ترسيخه العادات والتقاليد الاجتماعية في الأوساط الشعبية، لتقليل الآثار المادية المترتبة على ارتفاع تكاليف تجهيز بيت الزوجية، حيث يساعد النقوط العريس على تسديد بعض الديون التي تراكمت عليه نتيجة شراء بعض الأثاث او الأجهزة الكهربائية او ليستكمل بها بعض ديون حفل الزواج من اجور الزجالين وطعام وشراب الحضور.

فالنقوط او الهدية النقدية عمومًا تؤخذ في الاعتبار قبل الزواج عند التخطيط للأشهر الأولى من الزواج، لأنها كثيرًا ما تكون حصن أمان للزوجين في أيام الزواج الأولى، إلى أن يتمكنا من ترتيب حياتهما وفق ميزانيتهما الخاصة، التي لم يجربا تحمل مسؤوليتها قبل ذلك.

وفي العادة أن يقدم النقوط في قلقيلية عند المباركة في بيت العريس او في ديوان العائلة بعد صلاة العصر، وليس عند تناول طعام العرس، وليس من المتعارف عليه في قلقيلية ان يقدم النقوط كل من يتناول طعام العشاء او الغداء، كما هو الحال في بعض المناطق الفلسطينية، كما ان طعام الغداء يقدم قبل البدء بزفة العريس وليس بعدها.

وعندما يسلم المدعو على العريس يضع النقوط في يد العريس، الذي يقوم بدوره بوضعها في جيبه، دون النظر اليها لعدم احراج مقدم النقوط.

وتعتمد قيمة النقوط على مدى علاقة العريس بالشخص مقدم النقوط، فاذا كان صديقا او قريبا وكان موسرا كانت قيمة النقوط عالية، وتقل قيمة النقوط اذا كان مقدمها محدود الدخل. وتقدم الحلويات والمشروبات الخفيفة للجميع بدون استثناء.

وقد يقدم بعض الناس للعريس نقوطا، حتى ولو لم تكن هناك اية علاقة بينهم وبين أهل العريس، وإنما يقدمون النقوط كصدقة لكسب الاجر والثواب خاصة اذا كان العريس من عائلة مستورة..

كما يمكن لأصدقاء العريس أن يقدموا له هدايا عينية بعد أيام الدخلة.

وإذا كانت فكرة النقوط أو الهدية النقدية تهدف في الاساس إلى مساعدة العروسين في بداية حياتهما أو لإدخال السرور عليهما، فإنها تبقى ديناً في ذمة العروسين وجب عليهما سداده في مناسبات مماثلة عند الأقرباء والاصدقاء والضيوف المدعوين. فكما يقول المثل الشعبي "الدنيا سداد ودين.. حتى دموع العين". وليست الهدايا فقط هي التي تمثل دينًا يُردّ في مناسبات قادمة، بل المشاركة في الاحتفالات أيضاً، كالرقص والغناء من الصديقات في جلسات النساء يوم الحناء أو يوم العرس، وكذلك مشاركة الاقرباء والاصدقاء في الوقوف الى جانب العريس واهله في يوم العرس وتظل ديناً في العنق.

وتتلقى العروس هدايا نقدية من عمها ووالدها وخالها الذين يأتون لإنزالها عن اللّوج واركابها على الفرس او في السيارة فيما بعد، لتذهب الى بيت الزوجية. كما تتلقى العروس وهي مصمودة نقوط من قريباتها وصديقاتها ونساء الجيران، كما تقدم لها الهدايا العينية بعد الدخلة بايام، والتي غالبا ما تكون عبارة عن هدايا تذكارية يمكن ان تحفظ في البيت كجزء من أواني المنزل او ديكوراته.

وقديما كان مقدار ما تحصل عليه العروس من نقوط مثار حديث أهل زوجها لشهور طويلة، فإذا كان ما حصلت عليه يفوق ما حصل هو عليه، يصبح ذلك مدعاة لفخرها، وإذا حدث العكس فإن عليها أن تتحمل استهتار أهل زوجها بها ومعايرتهم لها بفقر عائلتها أو بخلهم!!

18- تزيين العروس:

بعد ظهر يوم الزفاف تستحم العروس في بيت أهلها، وتقوم صاحباتها بتحميمها وتمشيطها وتزينها، ثم يلبسنها ثياب العرس، إضافة إلى الأساور والخواتم والقلادة الذهبية التي تكون قد اشترتها من المهر. وتلبس العروس ثوباً ابيضا فضفاضاً، والطرحة والإكليل او تاج العروس. ومنذ سنوات السبعينات انتشرت في قلقيلية الكوفيرات (حلاقات النساء)، ويتم حجز لدى الكوافيرة قبل العرس بمدة طويلة لكثرة الطلب عليها في مواسم الزواج. تذهب العروس الى صالون الكوافيرة او تحضر الكوافيرة الى بيت العروس وحسب الموعد بعد عصر يوم زفافها، لتقوم بتهيئة وتزيين العروس ..
وتحمل الكوافيرة معها كامل ادوات التجميل، وتقوم بقص شعر العروس وتسريحه، وعمل المكياج وتزيين العروس بكل ادوات الزينة الحديثة، وتقليم وطلي أظافر يديها ورجليها (بالمناكير). فتبدو العروس في مظهر جميل وجذّاب في اجمل يوم في حياتها- يوم زفافها، وتطلق الام الزغاريد تعبر فيها عن سعادتها وفرحتها برؤية ابنتها عروساً جميلة، بينما يعتصر قلبها الماً وحزناً على فراق ابنتها وخروجها لبيت زوجها، فختلط في هذا الموقف دموع الفرح مع دموع الحزن على الفراق.

19- ليلة الزفاف:

وهي الليلة التي تزف فيها العروس الى عريسها، وهي البداية الفعلية لتأسيس الحياة الزوجية، فإجراء عقد الزواج يعتبر إرساءً لمشروعية العلاقة بين الطرفين، وأنهما أصبحا زوجين بحكم الشرع، لكن مع وقف التنفيذ وتأجيله عرفاً، وبالزِّفاف يدخل إتفاق الزوجية حيز التنفيذ والتجسيد العملي، حيث يبدأ الزوجان حياتهما الواحدة المشتركة، بالعيش في سكن واحد، والتعاون في برنامج حياتي مشترك.
وليلة الزفاف تشكل منعطفاً هاماً ونقطة تحوّل في حياة الزوجين، ففيها يغادران مرحلة العزوبية وحالة الفردية، والتبعية لعائلتيهما، ليكوّنا حياة زوجية يرتبط فيها مصير كل منهما بالآخر، وليصبحا كياناً اجتماعياً مستقلاً، ونواة لأسرة جديدة نامية.

ونظراً لما تعنيه هذه المناسبة في حياة الزوجين، فإن لها وقعاً خاصاً في نفسيهما، وصدى يبقى خالداً في ذاكرتهما، وكذلك من حولهما. فهي ليلة العمر، التي ينتظرها بلهفة وشوق كل شاب وفتاة.

ولكي تكون ليلة الزفاف أفضل الليالي وتصبح بحق ليلة العمر يحرص العروسين على الاعداد الجيد لها بكل تفاصيلها الكبيرة والصغيرة. وتجتمع القريبات والصديقات في هذا اليوم للغناء والرقص، ومعهن النسوة من بنات الحارة والجيران. وغالبا ما تقام الحفلات في وقتنا الحاضر في صالات للأفراح (ونادرا ما تقام في بيت والد العروس)، وتنقل الى الصالة في موكب من السيارات، وتجلس في مكان مرتفع "اللّوج" ليراها جميع الحضور، وتبدأ النسوة بالغناء والرقص حتى ساعة متأخرة من الليل، ويتناولن الحلويات والمرطبات، وفي أخر السهرة تبارك النساء للعروس ويقدمن لها النقوط.

ومن عادات الفتيات في هذه الليلة ان يسرّحن شعرهن، ويرتدين أحلى ملابسهن، ويتزيين باجمل زينة، ويرقصن وهن يستعرضن جمالهن ومفاتنهن، على أمل أن يحظين بعريس كما حظيت العروس بعريسها، حيث تأتي بعض النساء في هذه الليلة، خاصة ممن لهن اولاد في سن الزواج، من اجل إنتقاء عرائس لأبنائهن.

20. شاة الشباب:

كانت العادات والتقاليد المتبعة في الأعراس قديما في قلقيلية، تبيح  لشباب الحارة او القرية عموماً أن يعترضوا على زواج بنت الحارة او بنت القرية، من رجل غريب من بلدة أخرى، إلا بعد إرضائهم بما يسمى "شاة الشباب"، وهي عبارة عن خروف أو عددا من الخراف (حسب إمكانيات العريس، ووجاهة اهل العروس)، تقدم لهم كهدية من العريس من أجل استرضائهم، وتعويضا لهم عن فقدانهم بنت حارتهم.

ويقول العم  محمد سعيد هلال- ابو بلال (89عام-2013م)، إن شاة الشباب كانت تُفرَض على العريس اذا كان من خارج القرية، ولم تفرض على العريس من القرية نفسها. وكانت تشترط عند كتاب الكتاب.

ويقول الحاج صبحي هلال- ابو هاشم (85عام-2012م) ان تقديم شاة الشباب، هو من اجل استرضاء شباب الحارة لنيل موافقتهم على زواج بنت الحارة من شخص غريب من خارج القرية. وقد يقدم العريس لشباب الحارة مبلغا من المال بدلا من الشاة، تعويضا لهم عن خسارتهم لابنة الحارة، وعلى اعتبار أنه سيُفرض عليهم نفس الطلب الذي يفرض على الغرباء، اذا ما تزوجوا من خارج قريتهم.

وإذا حدث ان لم يفِ العريس بوعده بتقديم شاة الشباب، يتجمع شباب الحارة، ويطوقون بيت العروس لمنعها من الخروج، فيضطر العريس لدفع ثمن شاة الشباب نقدا، لكي يحصل على عروسه. وقد يُعيد الشباب هذا المبلغ الى العروس على شكل نقوط، او يشترون به خروفا او كبشا، يقيمون عليه وليمة كبيرة، لكل شباب الحارة.

21- فاردة العروس: (نقل العروس من بيت اهلها الى بيت زوجها):

في يوم زفاف العروس، تتجمع النساء من أهل العريس وجيرانه وأقاربه، وينطلقن بشكل جماعي إلى بيت العروس، من أجل نقلها إلى بيت العريس، وهن يردد الأغاني ويطلقن الزغاريد طوال الطريق. وعند وصول الفاردة الى منزل العروس

بعد انتهاء المباركة للعريس، يتجه الرجال من أهل العريس وأقربائه ووجهاء العشيرة، لإخراج العروس من بيت أبيها ونقلها إلى بيت زوجها، ويكون في انتظارهم والد العروس وأقاربه، ولفيف من أبناء الحمولة. يدخل أقارب العروس من الرجال المحارم واحدا تلو الآخر لتقديم "النقوط" والمباركة للعروس.

بعد ذلك ترتدي العروس العباءة ويُغطى وجهها بمنديل، ويقوم شقيق العروس أو والدها أو عمها او خالها بإخراجها من البيت، ويركبونها في هودج محمول على ظهر جمل، ومزيّن بالسجاد والحرير والخيوط الصوفية الملونة، إذا كان بيت العريس في قرية مجاورة، ويركبونها على فرس مزيّنة إذا كان بيت العريس في نفس القرية، أو تمشي سيراً على الأقدام، إن كانت دار العريس قريبة من دار العروس.

وما أن تخرج العروس من بيت أهلها، حتى تطلق النساء الزغاريد المتضمنة المدح والتعظيم لأهل العروس، ويرددن أغنيات الشكر والامتنان لاهل العروس:

يخلف عليكم كثر الله خيركم***  ما حدا عجبنا في النسايب غيركم

ويشكر أهل العريس ووجهائهم أهل العروس وأقاربها ووجهاء عشيرتها، ويظهرون لهم مدى الفخر والاعتزاز بهذا النسب. وتطلق النساء الزغاريد ويرددن الاغاني التي تمدح كرم أم العروس أو أبوها، أو حتى اقاربها.

ومما تغني النساء في الفاردة، وهي ذاهبة الى بيت العريس، كما ورد على لسان المرحومة الحاجة رابعة سعيد هلال (96 سنة-عام 2007م):

***

وإحنا مشينا من بلد لبلد

ياما نقينا غاليات النسب

***

وإحنا مشينا من حارة لحارة

 ياما نقينا بنات الإمارة

***

واحنا مشينا من ديرة لديرة

ياما نقينا البنت إل أميرة

**

واحنا مشينا من وادي لوادي

ياما نقينا بنات الاجوادي

***

وإحنا مشينا من الصبح للعصر

ياما نقينا طيبات الأصل

***

وإحنا مشينا من بلد لبلد

ياما نقينا غاليات النسب

***

وإحنا مشينا من حارة لحارة

 ياما نقينا بنات الإمارة

***

واحنا مشينا من ديرة لديرة

ياما نقينا البنت إل أميرة

***

واحنا مشينا من وادي لوادي

ياما نقينا بنات الاجوادي

***

وإحنا مشينا من الصبح للعصر

ياما نقينا طيبات الأصل

***

وعند وصول فاردة العروس تكون في استقبالها والدة العريس، التي تكون قد أعدت قطعة من العجين مخلوطة بورق الريحان، وتقدمها للعروس كي تلصقها على باب البيت، وهم يتفاءلون عندما تلصق العجينة جيداً بالسعادة والهناء للعروسين,

ثم  تدخل العروس وتصمد على فراش عال، واستبدل بعدها "بـ اللوج" عليه كرسيان، واحد للعروس والأخر للعريس، ياتي العريس من الديوان ويجلس الى جانب عروسه.

وتبدأ النساء بالغناء:

 كيِّف كيِّف يا عريس ما لك زعلان    خطبنا لك فلانة طِلق الريحان

كيِّف كيِّف يا عريس ما لك معبس     خطبنا لك فلانة طلق الرنجس

***

ومع تقدم الحياة العصرية وتحسن أحوال الناس المعيشية تغيرت طرق نقل موكب العروس، فبدلا من الجمل والحصان، أصبحت الباصات تستخدم في نقل الفاردة، بينما تحمل العروس وبعض قريباتها في سيارة او اكثر إلى بيت زوجها، وبدلا من الغناء للفرس أو الجمل، أصبح الغناء للسيارة، وسائقها، وهنا تقول النساء أثناء الفاردة:

" يا شوفير ادعس بنزين   ع المية وتسعة وتسعين"

***

ومنذ عام 1995م اخذت صالات الأفراح تنتشر في قلقيلية، ويوجد فيها حالياُ ستة صالات، وهي: صالة الأمراء، الملكية، النجوم، برج نوارة، النخيل، قصر الأفراح، وكانت صالة الأمراء هي أولى الصالات التي اقيمت لهذا الغرض، واصبحت العروس تزف من صالة الافراح بدلا من بيتها، واصبح من النادر جدا ان تزف العروس من بيتها، وقد يتم تاجيل موعد الزفاف، اذا كانت الصالات محجوزة في تلك الفترة، خاصة في موسم الصيف.

وحيث يتم اقامة حفل الزفاف في صالات الافراح، يأتي اقارب العروس لاخراجها من بيت ابيها قبيل ذهابها الى صالة الافراح. وحال انتهاء المباركة للعريس في الديوان، يأتي العريس واهله واقاربه في موكب كبير من السيارات، تتقدمهم سيارة العروس المزيّنة بالورود والأشرطة الملونة، لتتميز ضمن الموكب، ويكون أهلها في استقبال أهل العريس ورجال عشيرته.

تجلس العروس بعد أخراجها، الى جانب عريسها في السيارة المخصصة لهما، وتسير الفاردة في شوارع قلقيلية الرئيسية في موكب مهيب قد يصل الى اكثر من 20 سيارة، وسط أبواق السيارات المرتفعة، والأضواء العالية والغمازات الرباعية، والتي تضفي جوا من الفرح، وتسير عدة سيارات أمام سيارة العريس لتمهد الطريق، ويخرج منها أصدقاء العريس، يحملون الكاميرات والموبايلات لتصوير هذا الحدث الجميل، وتستمر الفاردة بالمسير إلى أن تصل الى قاعة الاحتفال.

يدخل أهل العروسين الى قاعة الحفل، بينما يجلس العروسين في المكان المخصص لهما وهو "اللّـوج"، وتطلق النساء الزغاريد وتتغنى بجمال العروس ومفاتنها.

بعد انتهاء حفل الزفاف والمباركة، يقوم أهل العروسين بإيصالهما إلى بيت الزوجية.

ورغم تغير طرق نقل موكب العروس مع مرور الزمن، الا ان التسمية والصفة التي ارتبطت بها، ألا وهي الفاردة، لم تتغيّر.

ففي السابق كانت تقضي مراسيم الزواج بأن تذهب النساء على شكل موكب إلى دار العروس ويحضرنها معهن إلى دار العريس على فرس مزينة، او مشيا على الإقدام اذا كان بيت العريس قريبا من بيت عروسه، ثم صارت تنقل بالسيارة، مهما قصرت المسافة، ويُطاف بها في شوارع البلد قبل ان تصل الى دار عريسها

كما ان الفاردة كانت تقتصر على مشاركة النساء فقط، اما اليوم فيشترك فيها ايضا الشباب من اصدقاء واقرباء العريس، خاصة ممن يملكون سيارات.

وكان من العادة في قلقيلية قديما، انه عندما تكون العروس من قرية مجاورة، أن يستضيف الفاردة احد الأشخاص أو احد وجهاء العشيرة، ويقدم طعام الغداء (المنسف) لكل من يرافق العروس من رجال ونساء، تكريماً لهم، وللعروس وذويها، ولكي ترتاح الفاردة، قبل ان تزفّ العروس الى بيت زوجها.

ومن طريف ما يرويه الحاج محمد هلال (ابو بلال 86عام-2010م) انه كان من الدارج لدينا في قلقيلية حتى سنوات الثلاثينات من القرن الماضي، ان العروس الغريبة التي ستتزوج في قلقيلية، وتكون من قرية بعيدة، وليس لها اقارب في قلقيلية، كان على اهالي البلد استضافة العروس وذويها، حتى تزف لعريسها في اليوم التالي. وكانوا يتنافسون على نيل شرف زفاف العروس الغريبة من بيته. فيجري سباق على الخيل بين الراغبين في الاستضافة، والذي كان يفوز بالسباق يمسك بخطام الجمل ويجره الى بيته، ويستضيف العروس وذويها تلك الليلة، ويقوم بواجب الضيافة

***

22. لصق العجينة (عجينة العروس):

عند وصول العروس الى بيت زوجها، تكون والدة العريس قد اعدت قطعة عجين خامرة من طحين القمح، تقدمها للعروس قبل دخولها البيت، فتتناولها العروس بيدها اليمنى وعليها ورقة ريحان، وتلصقها على باب بيتها الذي ستعيش فيه او على جانب الباب، وتدخل البيت مع النساء وتجلس على كرسي اعدّ خصيصاً لها والى جانبها كرسي العريس، وتطلق ام العريس الزغاريد فرحا بعروس ابنها الذي ستبدأ معه مشوار الحياة، بينما تردد النساء الأغاني بانتظار وصول العريس، الذي يكون في المضافة او الديوان.

عروس تلصق قطعة العجين على باب بيت الزوجية قبل دخوله

***

والتفسير الشعبي لإلصاق قطعة العجين على باب البيت، هو أن تلتصق العروس في هذا البيت كالتصاق قطعة العجين على الجدار، وأن تبقى العروس سبباً في استمرار الحياة والبقاء في ذلك البيت، ورمزا للخصب، المتمثل في إنجاب الاطفال، تماماً كالخميرة التي هي أصل العجين وسبب تخمره ونضجه.

كما ان الريحان - وهو نبات اخضر ذو رائحة عطرة زكية -  يرمز الى دور العروس القادمة التي ستملأ البيت الذي تدخله بالحياة والبهجة والحبور والخير والبركة والسعادة والهناء.

23- صمدة العروس:

وتُصمد العروس في دار العريس على مكان مرتفع يسمى "لوج"، وهو عبارة مرتبة عالية او طاولة يوضع عليها كرسيان، وتعقد الدبكة النسائية أمامها على مصطبة البيت أو في قاع الدار إلى أن يؤتى بالعريس. وتغني النساء للعروس ويتباهين بجمالها ويوصيانها بالعريس. ومتى وصلت العروس الى بيت العريس، جاء احدهم الى الديوان فيطلب من العريس الذهاب الى عروسه. يذهب العريس ووالده  وبعض اقاربه الى بيته حيث تكون العروس قد أحضرت إليه وصمدت على اللوج المخصص لها. ولدى دخوله البيت تستقبله النساء بالأغاني والزغاريد، وتقف له العروس ترحيبا وعلى وجهها الطرحة البضاء، وهي غطاء رقيق شفاف خاص بالعروس، فيقوم العريس برفع الطرحة عن وجه عروسه، ثم يجلس الى جوارها على "اللوج"، ويقوم بنقل خاتم الدبلة من اليد اليمنى الى اليد اليسرى، اشارة الى انتهاء فترة الخطوبة، وبدء مرحلة الزواج، وقد يُلبِس العروس على سبيل الهدية بعض الذهب مثل الاسورة والعقد. كما قد يقدم اهل العريس واهل العروس بعض القطع الذهبية كهدية للعروس. وتزداد عندها حماسة النساء بالغناء، ثم تاتي احداهن فتطلب من العروس ان ترقص امام عريسها، وتتمايل يمنة ويسرة، وهي تعرض جمالها، ثم تعود إلى مكان صمدتها بجانب العريس، وينصرف الغرباء ويظل الاهل والأقارب.

24- ليلة الدُخْلة:

وهي خاتمة ليلة الزفاف التي يتوج فيها الحب بالزواج، وتتلاقى فيها الأجساد بعد أن تلاقت الأرواح، وهي ليلة العمر التي لا تُنسى. فبعد ان ينفضّ العرس ويغادر الجميع تاركين العروسين لحياتهما الجديدة، تبقى  والدة العروس مع والدة العريس ينتظرن نتائج ليلة الدخلة. وعادة ما تحمل العروس معها منديلاً أبيض اللون تمسح به دم بكارتها.

وعندما يخرج العريس ومعه المنديل وعليه دم البكارة - إشارة إلى فحولته وطهارة زوجته- تطلق ام العريس الزغاريد ابتهاجا برجولة ابنها، وتطلق ام العروس الزغاريد ابتهاجاً بعفاف ابنتها وطهارتها، وسلامة شرفها الذي ظل محفوظاً ومصاناً حتى زواجها.      

وكانت العروس تعطي المنديل لوالدتها لتحتفظ به كدليل على شرف ابنتها وطهارتها، كما تحرص الأم أن تريه لقريباتها وقريبات العريس عندما يحضرن للمباركة، كشهادة على أن ابنتها عذراء شريفة عفيفة. 

وفي ليلة الدخلة تكون ام العريس قد اعدّت طعام العشاء للعروسين، وفي الغالب يتضمن العشاء زوجين أو أكثر من الحمام  (الزغاليل).

وبعد زواج العروس من العريس، وخروجها من بيت أبيها لتعيش مع عريسها وأهله -أي والدي العريس وإخوته وأجداده- في بيت واحد،  تصبح العروس واحدة من أهل بيت العريس، قريبة لأقربائهم وجارة لجيرانهم، وصديقة لأصدقائهم، ومن ثم أمّاً لأبنائهم، وجدّة لأحفادهم.

25- المباركة للعريس في الديوان:

وفي الصباح الباكر من اليوم التالي وقبل شروق الشمس يذهب العريس الى الديوان لتلقي التهاني والتبريكات من الأقارب والمعارف والأصدقاء ومن أبناء الحامولة والحمايل الأخرى، فقد "شطب اسم العريس من دفتر العزوبية" وانتقل الى حياة زوجية هانئة.

وفي صباح اليوم التالي وعند حلول وقت الضحى تأتي أم العريس بطعام الافطار الشهي للعروسين.

26. طلّة العروس (بعد الزواج):

بعد اسبوع من الزواج يقوم اهل العروس وذويها بزيارتها ويأخذون معهم الهدايا، التي تشمل عادة الحلويات والتحف الصيني وساعات الحائط والادوات المنزلية والفرش المنزلي.. وغيرها.

كما يقوم اهل العريس والأقارب والأصدقاء والجيران بزيارة العروسين وتقديم التهاني والهدايا لهما.

27. تصوير حفلات الزواج:

في سنوات الخمسينات والستينات من القرن الماضي كان القليل جدا من العرسان من يهتمون بتصوير حفل الزواج بالكاميرا الفوتوغرافية. لكن منذ سنوات السبيعنات انتشر تصوير حفلات الزواج بالكاميرات الفوتوغرافية وانتشرت الصور الملونة. ومع ظهور التصوير بالفيديو منذ عقد الثمانينات اخذ البعض الى جانب الكاميرا العادية تصوير الاعراس وحفلات الزفاف بكاميرات الفيديو.

ومع انتشار كاميرات الفيديو الرقمية بشكل كبير منذ بداية القرن الحالي اي عام 2000م، دأب العرسان على تصوير حفل زواجهم بكاميرات الفيديو، ويقوم العريس مصور ليقوم بتصوير حفل العرس والزفة والمباركة في الديوان، بينما تقوم امراة تتقن فن التصوير بتصوير حفل زفاف العروس بكاميرا الفيديو. ويدفع العريس للمصورين اجرا على التصوير يصل الى مائة دينار.

28. تأجيل حفل الزفاف:

يتم تأجيل حفل الزفاف او حفل الخطوبة، اذا حدثت وفاة لأحد أقارب العريس او العروس. اما اذا حدثت وفاة في حامولة اهل العريس، فاما ان يتم تأجيل حفل الزفاف او الخطوبة الى موعد آخر، وإما ان يتم نقل الحفل الى بيت اهل العريس او احد اقاربه.

وقديما كانت لا تقام الأفراح في الديوان لمدة عام اذا فقدت الحامولة احد ابناءها، ثم انخفضت فترة الحداد الى ستة أشهر ومن ثم الى ثلاثة أشهر. وفي عقد السبعينات من القرن الماضي انخفضت مدة الحداد الى أربعين يوما على المتوفين من الأقارب، وثلاثة أيام - لغير الأقارب.

29. المرأة عماد البيت:

كان للمرأة في قلقيلية كما هو في سائر مناطق الريف الفلسطيني دورا فاعلاً ومكملاً لدور الرجل في تكوين الأسرة وبناء المجتمع. فرغم تحملها لمشاق الحمل والمخاض والولادة والنفاس والإرضاع والسهر على الأطفال، كانت الى جانب زوجها تشاركه في تحمل المسؤولية، وتوزيع الأعمال، من طلوع الفجر إلى وقت النوم. تصحو مبكرة عند آذان الصبح، وتحمي الطابون قبل البدء بالخبز، ترقرق العجين على طبلية (طاولة صغيرة من الخشب باستخدام الشوبك، وهو عصا غليظة دائرية، تضغط بها المرأة على قطعة العجين، بعد ان ترش عليه بعض الطحين وتفرده مرة بالطول ومرة بالعرض، وهكذا حتى يصبح دائري وبالحجم المطلوب، وتقوم بعد ذلك بخبزه في الطابون، بعد ان يصبح حاميا، بما يكفي لانضاج الخبز. وتكون كمية العجين المستخدمة محسوبة، بحيث تكفي العائلة لمدة يومين او اكثر، وتزاد هذه الكمية في حال كانت هناك مناسبة طارئة أو ضيوف متوقعون. وكانت تساعد الام بناتها أو كنّاتها، وهي تقوم بعملية العجن وتحمية الطابون وخبز الخبز.

وكانت الكناين (زوجات الابناء)، والبنات يساعدن الأم في كل اعمال البيت.

بعد الانتهاء من الخبز تهيئ المرأة طعام الافطار لزوجها، وتعد له زاداً يأخذه معه الى الحقل، وتضعه في عقدة من القماش ليحمله معه، وإذا كان لها أولاد يتعلمون في المدرسة قامت بإيقاظهم بعد ان تكون اعدّت لهم الطعام، ثم تبدأ بتجهيز ما قررت أن تطبخه لذلك اليوم.

وفي شهر رمضان تستيقظ المرأة وقت السحر، وتجهز طعام السحور لزوجها وأولادها، والذي لم يكن ليتعدى في أحسن الأحوال الخبز واللبنة والجبنة والبيض والزعتر والزيتون المكبوس، وزيت الزيتون.

كما تقع عليها مسؤولية العناية بالدواب واطعامها، وحلب الماشية وغلي الحليب وترويب اللبن، والتجبين - عمل اقراص الجبنة ، وتقوم بتنظيف حظيرة الماشية، وتضع لها الطعام من البرسيم والكرسنة والشعير والتبن (قش القمح والشعير)، وتتأكد من انها بخير وليست مريضة، وتهتم بالبقرة او الشاة الحاملة وبعجولها او حملانه.

تنظف المراة بيتها بمكنسة القش التي تصنع من عيدان القمح، بينما تنظف قاع الدار بمكنسة من نبات النتش الشائك الذي كان ينمو على جوانب الطرق الترابية او يُحضر من الجبل، وتحمل القمامة بوعاء وتذهب بها إلى كوم الزبل خارج الحارة.

تغسّل أولادها بعد تسخين الماء على الحطب او على بابور الكاز (البريموس)، وتغسل ملابس افراد العائلة واغطية الفراش، كما تغسل جميع الأدوات والاوعية المنزلية.

تحمل المرأة الجرّة على رأسها ومن تحتها المدورة (وهي قطعة من القماش ملفوفة بشكل دائري) وتذهب لتحضر الماء  من البئر الرومية وسط البلد وتحملها فوف المدورة على رأسها الى البيت، وقد تذهب أكثر من مرة حتى تملأ جرار بيتها، ولتؤمن حاجة الأسرة اليومية من المياه.

واذا كان لديها دابة كانت تضع جرتان في الخرج على جانبي الدابة، واحدة في كل جهة لتوازن احداها الاخرى.

وتكون مشاوير المرأة الى البئر الرومية مصدرا للأخبار الاجتماعية التي تسمعها ربّة البيت من النسوة الأخريات، وتنقلها إلى أهل بيتها.

وفي عهد الشيخ محمد صبري المشهور باسم محمد القلقيلي، تم بناء مخزن صغير للماء في كل حارة وعليه صنبور او حنفية، ومنها ينزل الماء في الجرار، مما اراح المراة وخفف عليها عناء الذهاب الى البئر الرومية وسط البلد، وحمل الجرة على راسها الى البيت. وكانت خزانات الماء في كل حارة تعبأ من خلال مضخة ماء تسحب الماء من البير الرومية، وتضخَّها الى هذه الخزانات، وبعد بناء حاووز الماء عام 1925م، في عهد يونس عمر نزال، وضعت حنفية في كل حارة، وارح النساء من الذهاب الى البئر الرومية لجلب المياه.

وتبدأ المرأة بالإعداد لطبخ طعام الغذاء وبعده العشاء مستخدمة الطابون، وإناء فخاريا للطبخ يسمى القدرة ومغرفة من الخشب . وفي المساء تنقي حبوب القمح من الزوان، وتطحن القمح بمطحنة يدوية، تنخل الطحين بالمنخل وتعجنه مع الخميرة، ليكون جاهزا للخبيز في الصباح. تضع روث البقر الجاف حول الطابون ليبقى حاميا حتى صباح اليوم التالي.

الى جانب اعمالها المضنية في البيت، كانت المراة العاملة تشارك زوجها في أعمال الزراعة والحصاد والدرس في الحقل. فكانت تعشب المزروعات من النباتات البرية، وتقص الحشائش والاعشاب مستخدمة المنجل، لاطعام الحيوانات في البيت، وتساعد زوجها في زراعة الحبوب والبقول، والخضار، وجني المحاصيل وتخزينها، لتكون ذخيرة العائلة طوال العام. وتصطحب المراة طفلها الرضيع معها الى الحقل ليكون بقربها، ترعاه وترضعه على فترات.

وكان من العادة ان تقوم المرأة بعملية التحطيب، أي جمع الحطب من الوعر (البرية). ويتم التحطيب عادة بطريقة القلْع أو القطْع، وتستعمَل في ذلك بلطة او شرخة صغيرة وتقطْع أغصان الأشجار البرية. ثم تصفّ ما تجمعه من الحطب فوق بعضها، وتقوم بربْطها من خلال لف حبل عليها وعمل عقدة في أعلاها، وشدها جيدا حتى تكون كلها مضمومة الى بعضها وفي نسق واحد، وتحمل عقدة الحطب على رأسها الى البيت.

ويقول العم محمد سعيد هلال (ابو بلال 90عام) ان المرأة الى جانب اعمالها البيتية كانت مكلفة ايضا قبل حلول فصل الشتاء ان تقوم بتلييس بيتها بالطين، وسدّ الشقوق في فصل الخريف، وتبييضها بالشيد في فصل الربيع
وكانت بعض النساء الفقيرات يذهبن لجمع بقايا سنابل القمح من الحقول بعد الحصاد، يلملمن حبات من هنا وهناك، ويذهبن الى الكروم بعد قطف الثمار، يتبعّرن ويجمعن منها بعض من الثمار.

وبالإضافة إلى ذلك كله كانت المرأة تقوم في أوقات الفراغ بالأعمال التالية:

- القيام بأعمال الحياكة لتجهيز الفرش المنزلي من لحفة وفرشات ومخدات من الصوف، وعمل أغطية للسرير ووجوه للمخدات، كما تقوم بقص وخياطة ثيابها وتطريزها بنفسها. وكذلك خياطة ملابس زوجها واطفالها. وتبدي او تنسج قفازات وطواقي الصوف للاطفال، وتعمل أغطية لأباريق وجرار الماء. وكانت ادوات الخياطة كلها يدوية.

-  صناعة الحلويات مثل الزلابية، العوامة، كعك بتمر، مهلبية العصيدة، الهيطلية.

 - صناعة المربيات والتطلي من العنب والقرع، وكبس الخيار والزيتون، وتجفيف البامية، وسلق الجبنة، وعمل الروب من الخروب، وتخزين الزيت في العَسْلية (وهي وعاء فخاري كبير يوضع فيه الزيت)

- كما تقوم بسلق القمح ونشره على سطح البيت حتى يجف، وتجرشه وتصنع منه البرغل، كما تشوي القمح قبل أن ينضج، وتجرشه على الجاروشة اليدوية وتصنع منه الفريكة.

لقد كانت أعمال المرأة كثيرة، تساعدها فيها البنات والكنّات، والجارات من نساء الحارة.

- واذا كانت تعرف الكتابة والقراءة كان عليها ان تجلس اولادها كل يوم لمراجعة ما يتعلّمونه في المدرسة، ومساعدتهم في اعداد واجباتهم المدرسية. وتقوم بالتسميع لاولادها لكي تتأكد من حفظهم للمعلومات، او الاشعار او الايات الكريمة.

وكانت الأم تحرص على تعليم ابنتها كل الأعمال المنزلية منذ الصغر وتعدها لكل احتياجات وواجبات بيت الزوجية، ولذلك كانت البنات يتنافسن فيما بينهن على إجادة أكثر أشكال التدبير المنزلي، من طبخ الأكلات المختلفة والخياطة والتطريز. وغيرها.

كما كانت الأم تصطحب ابنتها معها في بعض زيارتها لصديقاتها او جيرانها، حتى تتعلم الفتاة آداب الزيارة والجلوس والحديث.

وبعد ان تتزوج البنت، وتنتقل الى بيت الزوجية، تبقى الام على تواصل دائم مع ابنتها لتطمئن عليها، وتقدم لها الرعاية والعناية وتسدي لها النصيحة والمشورة، وتعلمها ما يجب ان تفعله، وتسعى لمساعدتها في اعمال بيتها، خاصة عندما تلد ابنتها، فتقوم على خدمتها ورعايتها طيلة الأسبوع الاول من ولادتها، تستقبل المهنئات وتقوم بتقديم واجب الضيافة لهن.

كما كان على المرأة ان تقوم بدورها في الحياة الاجتماعية في مناسبات الأفراح والأتراح وجميع المناسبات الاجتماعية، فهي تشارك في الأفراح، تغني وترقص وتقدم الهدايا والنقوط، وتشارك في تقديم واجب العزاء، وترسل الطعام للنساء في بيت الفقيد، وفي اليوم الثالث ينتهي الحداد الشرعي على الميت، إلاّ حداد المرأة على زوجها، فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وحدادها ان لا تخرج من البيت الا عند الضرورة، وأن لا تلبس الملابس ذات الألوان الزاهية، ولا تضع الحناء على يديها، ولا تضع الزينة والعطور على وجهها، ولا تحضر حفلات الأعراس، وغيرها من مناسبات الأفراح.

ويقول العم محمد سعيد هلال (ابو بلال-89عام) ان المرأة التي كانت تعمل في البيت يقال لها شيخة، أما التي تعمل في البيت والحقل فكانت تسمى فلاحة. وكان مهر الفلاحة أكثر من ثلاث أضعاف مهر الشيخة!! لانها كانت بمثابة يد عاملة نشيطة في الاسرة، فزوجها يعمل في حراثة الأرض وزراعتها، وتعمل الزوجة في إعداد الطعام، وجمع الحطب والعشب، والقيام بخدمة الحيوانات التي تعمل في الزراعة، والحيوانات المنتجة، والمشاركة في خدمة العائلة وجني المحصول..الخ.

لكن تغير حال المرأة مع مرور الوقت، وبدأ ينحسر شيئا فشيئا خروجها من البيت، للتحطيب أو مشاركة زوجها في اعمال الزراعة، واقتصرت واجباتها في الغالب على اعمال البيت، ورعاية الحيوانات التى تربى فيه.

وكانت البداية عام 1933م، حين سعى اهل البلد لدى دائرة المعارف وطالبوا بافتتاح مدرسة للبنات. فتم افتتاح اول مدرسة للبنات في قلقيلية عام 1934م، وتم قبول 40 طالبة وزّعت على عشائر قلقيلية وأحلافها، بحيث قبلت من كل عشيرة 10 طالبات، لاتاحة الفرصة التعلم  امام البنات من كل العشائر.

وحتى عام 1948م، لم يتجاوز  عدد البنات في المدرسة سدس عدد الأولاد في مدارس البنين، أي طالبة واحد مقابل ستة طلاب من الذكور.

وفي بداية الخمسينات من القرن الماضي ومع ازدياد إقبال البنات على التعلم، تم توسيع مدرسة بنات قلقيلية، وأضيفت لها غرف دراسية جديدة، كما افتتحت وكالة الغوث مدرسة للبنات، ودار للمعلمات في رام الله، وأقبلت البنات على التعلم اكثر فاكثر ، وأصبحن مدرسات، في مدارس قلقيلية والقرى المجاورة.

وبعد عام 1967مـ ازداد اقبال البنات على التعلم، وافتتحت العديد من المدارس، ولم تكتفي البنت بالحصول على التوجيهي او الالتحاق بدار المعلمات، بل ذهبن للدراسة في جامعات الاردن، وازداد اقبال البنت في على التعليم الجامعي، خاصة بعد تحول كلية النجاح الوطنية الى جامعة عام 1977م.

وافتتح في قلقيلية عام 1997م فرع لجامعة القدس المفتوحة، واقبلت البنات بشكل كبير على التعليم الجامعي، واصبح بمقدور الفتاة الالتحاق بالجامعة دون تحميل أهلها أعباء مالية كبيرة، وأصبحت نسبة البنات المتعلمات تقارب نسبة الاولاد.

ويوجد في قلقيلية اليوم اكثر من احدى عشرة مدرسة للبنات، وستة مدارس مختلطة مع الاولاد في المرحلة الابتدائية، من هذه المدارس الحكومي والشرعي والخاصة ومدارس الوكالة. 

ويعود سبب اقبال البنات على التعلم، الى ان البنت غير المتعلمة اصبحت تشعر بنوع من النقص مقارنة بزميلاتها المتعلمات، كما ان فرص الزواج للبنت المتعلمة تكون اعلى من فرص البنت غير المتعلمة، كما ان الرجل اصبح يفضل البنت المتعلمة، لان فرص توظيفها تكون اعلى، ويسعى للزواج منها، لمساعدته في تغطية مصاريف الاسرة المعيشية، التي اصبح غير قادر بمفرده على تغطيتها، ما لم تساعده زوجته.

كما ان بعض البنات تقبل على التعليم للحيطة والحذر من زوج المستقبل، الذي يمكن ان يطغى عليها، او يتخلى عنها، فتضطرُّ لأن تؤمِّن مستقبلها بعمل من الأعمال، وهذا لا يتأتى الى بحصولها على التعليم الجامعي المناسب.

وبمرور السنين أصبحت البنت في قلقيلية هي المعلمة والمديرة والموظفة والسكرتيرة، والمهندسة والمحامية والطبيبة والممرضة والمحاسبة والإعلامية والاديبة والشاعرة والكاتبة، والمرشدة الاجتماعية،والداعية الاسلامية، والاستاذة في الجامعة، وفنانة الرسم، وموظفة البنك، وسيدة ألاعمال، والممثلة في المجلس البلدي، ورئيسة الجمعيات الخيرية والاتحادات النسائية، وحملت ارفع الدرجات العلمية، بشكل ملحوظ، وقد تفوق الرجل في كثير من الميادين.

وأثبتت المرأة في قلقيلية أنها لا تقلُّ عن الرجل في تحصيل العلم، بل وتفوقت عليه احيانا، ومن بعض  الأمثلة المشرفة على تفوقها كانت الدكتورة فاطمة علي نزال، التي درست طب الاسنان في جامعة دمشق،عام 1959م، وكانت اول طبيبة اسنان في الاردن وفلسطين، وكذلك الدكتورة عبيدة الافغاني استاذة الرياضيات في جامعات كندا ، والدكتورة فوز سهيل نزال الأستاذ المشارك ورئيسة قسم اللغة العربية وادابها في الجامعة الاردنية، وشقيقتها الدكتورة المهندسة سماح نزال، الحاصلة شهادة الدكتوراة في هندسة الضوء والعلوم البصرية من جامعة الاباما عام 2010م، والدكتورة ختام شريم، والدكتورة خالدة نزال، والدكتورة كفاح عناية-برهم، والدكتورة نبال نبيل سليم نزال، وكذلك الداعية الإسلامية السيدة نائلة هاشم صبري، التي نالت شهرة كبيرة على مستوى دول العالمين- العربي والإسلامي، والمذيعة والمراسلة ومحررة الشؤون الاقتصادية في قناة العربية، السيدة ليان مازن يحيى عودة.

وبالتعليم والعمل أثبتت المرأة في قلقيلية جدارتها وحققت وجودها وذاتها، وأصبحت المرأة العاملة التي ترتقى بنوعية حياة أسرتها صحياً وتعليمياً واقتصاديا واجتماعياً واقعاً حياً في مجتمعنا، وقيمة مضافة الى واقعنا الاجتماعي..

ولم تعد تلك المرأة التي يقع على عاتقها هم البيت والأولاد فقط، بل أصبحت إنسانة متعلمة وطموحة، تعتني بشؤون البيت والزوج والاطفال، الى جانب اهتمامها وانشغالها بتقدمها العلمي والعمليّ، وتنافس الرجل في كل ميادين العمل، التي تناسبها كإمراة، واثبتت نجاحها فى العمل وفى البيت، على حدٍ سواء.

ورغم ما تقدمه الحياة العصرية من مخترعات اراحت المراة من الكثير من اعباء البيت، لما توفره المصانع والشركات العصرية من منتجات غذائية جاهزة للطبخ، او سلطات متنوعة جاهزة للاكل، والخبز الذي يشترى جاهزا من الافران الآلية، واراحتها من عناء تحضير واعداد هذه الاطعمة في البيت، الا انها بقيت تحمل العبء الاكبر من الرجل، خاصة المراة العاملة، التي انتقلت من العمل في الحقل الى العمل في المؤسسات العامة والخاصة، إلى جانب تحملها مهام وأعباء البيت والاعتناء بشؤون الزوج والاطفال، التي تقع على عاتقها وحدها!!

30. البنون زينة الحياة الدنيا:

ان الهدف الأول من الزواج هو إنجاب الأطفال، ولا تكتمل بهجة الحياة وجمالها من غير الأولاد، فهم منبع السعادة والأمل الذي يعيش الإنسان من أجله. فانجاب الاطفال يزيد من ترابط الأسرة، ويحافظ الرجل على بيته وأهله، ويضمن استمرار التواصل بين الأبناء والآباء والأجداد.

وتحرص أم الزوجة على الإسراع في الإنجاب، حتى تقوى مكانة ابنتها لدى زوجها وأهله، وتثبت وجودها في البيت، ولذا تقول النساء حين تنجب المرأة، بأنها "دقّت وتدها" في البيت. وكذلك الرجل لا يمنعه من الزواج بأخرى إلا الأولاد، وينتظر الرجل أشهر الحمل حتى الولادة بفارغ الصبر، ويتمنى أن ينجب مولودا ذكراً ليساعده عندما يكبر في الأعمال الزراعية، وفي توفير متطلبات الأسرة المعيشية.

ويصيب القلق كل من الزوج والزوجة معا حينما يتأخر الحمل الأول، لذلك فإن الاهتمام بالأولاد والولادة كان ولا يزال الشغل الشاغل بالنسبة للزوج والزوجة، وبالأخص الولادة الأولى. وفضلاً عن ذلك، فان الحمل يحقق اكتمال أنوثة المرأة، ويعتبر دليلاً على اكتمال القوة والرجولة في الزوج.

وخلال شهور الحمل قد تشتهي المرأة أكل احد انواع الطعام، وعلى زوجها توفير ذلك اذا لم يكن موجودا، حتى وان اضطر ان يحضره من منطقة أخرى غير بلده، لأنه في معتقدهم الشعبي يظهر مما تتوحمه الحامل على جسد ابنها، كبقعة حمراء.

وتحاط الزوجة أثناء فترة الحمل، بكثير من الرعاية والعناية والتدليل، وتعفى من الكثير من الأعمال والواجبات البيتية، ويحيطها الجميع من أقاربها وأقارب زوجها بالعناية الخاصة، تقديرا لأهمية الحمل الأول.

وكانت الولادة تتم في بيت الزوجية، وفى بعض الحالات تنتقل المرأة الحامل قبل وقت الولادة المتوقع لتلد في بيت أهلها، حتى تكون قريبة من أمها ساعة الولادة، لأنها تكون هذه تجربتها الأولى، اما الولادات اللاحقة فتكون في بيت الزوجية، حيث يكون قد اصبح لديها خبرة في طقوس الولادة ومعاناتها، وما يتبعها من استعدات وتحضيرات للحظة الولادة.

وبعد نكبة عام 1948 بدأت بعض العائلات ترسل الزوجة لتلد في عيادات الصليب الأحمر، والتي تحولت منذ عام 1953 الى مستشفى تابع لوكالة الغوث UNRWA. لكن النسبة الكبيرة من نساء  قلقيلية كانت تلد في البيوت، واستمر ذلك حتى بداية السبعينات، حيث ازداد الوعي الصحي لدى المرأة وأدركت تبعات الولادة في البيت -وما قد تتعرض له من مخاطر، تحتاج معها لاجراء عملية قيصرية- أخذت معظم النساء تلد في المستشفى، ونادرا جدا ما تتم الولادة في البيت هذه الأيام، خاصة وان قلقيلية بها الان ثلاثة مستشفيات- الوكالة، الحكومي، والأقصى (خاص).

وكانت الدابة تحتل أهمية كبيرة في الوقت الذي لم يوجد فيه مستشفيات او عيادات طبية، فكانت الداية هي أول من تلجأ إليها المرأة لالتماس النصيحة عند الحمل، وتلجأ الزوجة في العادة إلى الداية التي سبق وان باشرت على أمها أو أختها، لتقوم بالإشراف على ولادتها. ومن اشهر الدايات في قلقيلية حتى بداية عقد الستينات 1960sم كانت "الحاجة عزيزة الشيخ صالح الخطيب". وكانت توّلد النساء في البيوت. كما كانت المرحومة ام سميح الجابر وهي قبرصية الاصل، تولد النساء في مستشفى الوكالة.

وتحاط المرأة الحامل عند بداية الطلق بأمها وأخواتها وربما جاراتها المقرّبات، حيث يقمن بالمساعدة والاستعداد للحظة الولادة، فقد سبق لهن الحمل والولادة اكثر من مرة، ولديهن دراية تامة بطرق استقبال المولود. ويتم تحضير الماء الساخن والملح وزيت الزيتون وملابس المولود من قماش وقماط. وبعد إتمام عملية الولادة على يد الداية وكان المولود ذكرا،ً كانت الفرحة تعم العائلة بأسرها- الاهل والاقارب والجيران ويكون "الحلوان" الذي يقدمه الزوج للداية سخيا، اكثر مما لو كان المولود انثى. وتتعالى الزغاريد في البيت ويهنئون الاب بترديد عبارات "مبروك" و "إن شاء الله يتربّى في عزّك"، وعلى العكس من ذلك، كان يصيب الجميع وجوم حينما يكون المولود أنثى، على الرغم من عبارات التخفيف والمواساة- "الحمد لله على سلامة عيالك"، "اللي جاب البنت بيجيب الولد".

واول ما يفعله الوالد او الجد عندما يحمل المولود بين يديه هو الآذان في أذنيه تيمناً بان ينشأ على حب الدين والتدين. وقد ورد عن الني صلى الله عليه وسلم انه اذّن في اذني الحسن والحسين رضي الله عنهما، ويقصد من ذلك ان يسمع الطفل اول ما يسمعه في اول ساعات من حياته ذكر الله عز وجل، املين ان يجعله الله من الابناء الصالحين.

وتفضيل الذكر على الأنثى يعود لأسباب متأصلة في الجذور العربية توارثتها الأجيال واصبحت سمة غالبة للكثير من الرجال. فدائماً يخاف الأهل على البنت، من الجنوح والتسبب في العار لأهلها. وتعتبر الأنثى عالة على والديها طول العمر، حتى لو تزوجت وأنجبت أولاداً، ويقولون في ذلك " همّ البنات للممات". أما الرجل فلا خوف عليه، وهو مصدر القوة والعزوة والرزق للعائلة. كما أن الرجل الذي كان يملك عدداً أكبر من الذكور، كان يتباهى ويفتخر على الناس الآخرين من أبناء قريته، والرجل الذي لا يملك إلا البنات يبقى عابس الوجه يلقي اللوم على زوجته، وكأن أمر الإنجاب بيدها، وهي التي تتحكم في انجاب الذكر أو الأنثى، وبالتالي كان هذا الأمر من أشد المنغصات التي تُحيل حياة المرأة العاقر، أو حتى التي لا تنجب الأطفال الذكور إلى جحيم لا يطاق!
كما ان الكثير من النساء يرغبن في إنجاب البنين دون البنات، والسبب في ذلك هو ان الولد يبقى مع ابويه طوال حياته، على عكس البنت التي تغادر بيت اهلها الى عش الزوجية، لتترك اباً واماً عاشا عمرهما يريانها وهي تكبر وتنمو مثل زهرة جميلة، لكن في نهاية المطاف تقطف هذه الزهرة لتهدى الى رجل آخر تبدأ معه حياة جديدة.

ويتم اختيار اسم المولود حسب الثقافة والتعليم والتقاليد والتدين للأهل، حيث يطلق بعض الآباء أسماء آبائهم وأمهاتهم على مواليدهم إعزازا لهم وتخليدا لذكراهم. ويحرص الكثير من الآباء على تسمية أبنائهم بخير الأسماء - ما حُمّد منها وما عُبّد، أو بأسماء من أهل البيت أو ألصحابة او قادة المسلمين. ويكاد ينعدم اسم الرجل بعد الإنجاب، إذ يأخذ الناس بمناداته باسم ابنه الأول.

وبعد الولادة كثيرا ما تبقى المرأة الوالدة في سريرها ولا تخرج من المنزل، وتساعدها والدة زوجها او أخته في أعمال المنزل. وتعتمد الأم على حليبها في إرضاع طفلها لمدة عامين كاملين، يرضع فيهما الغذاء والحنان من ثدي امه. وإذا لم تقدر على إرضاعه بسبب "جفاف ثديها"، تقوم الجدة أو الخالة أو العمة بدور الأم البديلة في إرضاع الطفل والعناية به. كان ذلك بالطبع قبل انتشار الرّضاعة الزجاجية وبعدها- البلاستيكية.

وكان الطفل يغسل ويدهن بزيت الزيتون، ثم يُلف بقطعة قماش من القطن ويديه على جانبيه، ثم يُربط بقطعة قماش على شكل حبل تسمى "القماط "، فلا يظهر من جسمه غير رأسه ووجهه. ويستمر لف الطفل بالقماش حتى نهاية سنته الأولى، ويعتبرون ذلك حفظاً له من البرد، وحتى ينمو جسمه مستقيماً وصحيحاً.

أما سرير الطفل فكان عبارة عن كيس من الخيش يوضع عليه فرشة صغيرة للطفل ويُربط بحبل في سقف البيت، بحيث يكون قابل للحركة يميناً ويساراً، والقليل من الناس من كان لديه سريراً خشبياً أو حديدياً لطفله، حتى حلول الانتداب البريطاني عام 1917م.

ويذبح الأهل بعد ولادة طفلهم ذبيحة لوجه الله تعالى تسمى "العقيقة"، تيمناً وقدوة بما فعله سيدنا إبراهيم عن ولده إسماعيل، عليهما السلام.

وتعبيرا عن فرحة الأهل والأقارب والأصدقاء والمعارف والجيران بالمولود الجديد، تقوم النساء بعيادة الام وتهنئتها  والمباركة لها بالمولود الجديد، مع دعائهن له ان يجعله الله من ابناء السلامة، ويقدمن لها ولطفلها الهدايا النقدية "كالنقوط"، أو العينية كملابس للطفل، او حرام لسريره، او السكر والبيض والأرز والدجاج والزغاليل، او بعض الحلوى من صناعة بيتية، او بعض الاواني المنزلية، وغيرها من حاجيات البيت، وعلى أهل الدار أن يقدموا الحلوى للمهنئات أو القرفة المغلية، وتقدم في أكواب ويوضع الجوز فيها، وتحلى بالسكر، فيشرب الجميع مهنئين الأم بالسلامة، وداعين للمولود بطول العمر.

31. ختان (طهور) الاطفال:

لا تكتمل فرحة الاهل بقدوم المولود الذكر وحسب، بل باجراء عملية "الخِتان" له، والتي يحتفون بها وكأنها عرس. ويكاد فرح الاهل بطهور ولدهم يوازي الفرح بالزواج والولادة. والختان هي عملية قطع الجلدة الزائدة في عضو الذكر، أي الحشفة بآلة حادة. وختان الأولاد سنة إسلامية يمارسها المسلمون في العالم أجمع في فلسطين (الطهور) وهي من التنظيف والتطهير. والمُطهّر هو الشخص الذي يقوم بعملية ختان او تطهير الأطفال الذكور، وكان الحلاق هو من يقوم بهذه العملية، ويكون في العادة ممن يمارسون مهنة الحلاقة كمهنة أصلية، ويمارس الطهور كعمل إضافي، ويكون من ذوي الخبرة والمهارة في هذا الامر. يحمل الحلاق معه شنطة جلدية صغيرة لحفظ الأدوات والادوية التي يستخدمها في عملية الختان..
وكان الأطفال في الماضي يتم ختانهم في العادة في سن بين 4-6 سنوات، وحتى بعد دخولهم المدرسة. ويتم الاتفاق مع المطهر على موعد الطهور. وتجتمع النساء من القريبات والجارت للمشاركة في فرح الطهور، فإذا ما اقبل المطهر على بيت الطفل ومعه الحقيبة التي بها ادوات التطهير، تطلق النساء الزغاريد فرحا بهذه المناسبة السعيدة، لان التطهير او الختان في التراث الشعبي يعني تهيئة الطفل لدخول الحياة الزوجية.

ويذكر الحاج محمد سعيد هلال ابو بلال ( 86عام)،انه في سنوات الثلاثينات والاربعينات كان يحضر الى قلقيلية خاصة في ايام الصيف مطهرين من تركيا، يأتون ومعهم شنطة فيها ادوات التطهير، وكانوا يبيتون في دواوين عشائر قلقيلية، ويقومون بتطهير ابناء العشيرة ممن هم في سن الطهور. كما يذهبون لختان ابناء القرى القريبة من قلقيلية. ومن المطهرين الذين اشتهروا في قلقيلية في سنوات الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي كان الحلاق قشوع العناية، حسن عفانة (ابو علي) وشقيقه. وفي سنوات الخمسينات والستينات  كان الحلاق مجاهد قشوع العناية، ومصطفى عفانة ابو درويش). كما اشتهر في قلقيلية الحاج طاهر الكلبات من نابلس. وكان يحمل شنطة جلدية كتب عليها "مطهر قانوني"، ويطوف بحارات قلقيلية وشوارعها وهو ينادي- (مُطهِّر .. مُطهِّر). وكان الاطفال ممن مرُّوا بتجربة الختان، او سمعوا عنه، يهربون عندما يرون المُطهِّر، وكذلك الأطفال الذين لم يُطهروا بعد، لهول ما سمعوه من اقرأنهم عن عملية التطهير وما يصاحبها من آلآم.

ويمسك الأب بولده ويثبته في حضنه، بينما يصرخ الولد من شدة الألم، حيث كان الطهور يتم بطرق بدائية، وغير صحية. بينما تغني النساء وهن يضربن بالدف بعض الأغنيات الخاصة بالمناسبة، ومنها:

طهروا يا مطهر وناولُه لأمُّه
يا دموعه الغالية نزلت على كمُّه

طهروا يا مطهر وناولُه لأبوه
يا دموعه الغالية نزلت على ثوبُه

طهروا يا مطهر وناولُه لخالُه
يا دموعه الغالية نزلت على خلخاله

طهروا يا مطهر وناولُه لسيدُه
يا دموعه الغالية نزلت على إيدُه

طهرو يا مطهر وناولو لعمه
يا دموعه الغالية نزلت على ثمه

***

وتدل هذه الاغنيه على مدى حب الاهل والاقارب لابنهم. وبعد ختان الولد تقدم التهاني لاهل الولد وتوزع الحلوى على الحاضرين، ويكون معظمهم من الاطفال، وتقدم الهدايا النقدية والعينية من الاهل والاقارب والاصحاب والجيران للولد المختون ولأهله.

اما اليوم فتتم عملية ختان الاطفال خلال الشهر الاول من ولادة الطفل، وتُجرى في المستشفى او في عيادة الطبيب، ولم يعد للمطهرين التقليديين اي دور يذكر في ختان الاطفال في قلقيلية.

***

(1) نمر سرحان – موسوعة الفلكلور الفلسطيني – 1989م


       
samirsous@myqalqilia.com
       

سمير زهير ألصوص

قلقيلية - فلسطين

*****

<a href="https://plus.google.com/https://plus.google.com/u/0/102734224795960454451/posts?rel=author">Google</arel=author">Google</a