قلقيلية بين الامس واليوم

 
 
www.myqalqilia.com

تقع مدينة قلقيلية في الجزء الشمالي-الغربي للضفة الغربية، غربي  مدينة نابلس، وجنوبي من مدينة طولكرم،  ويتميز موقع قلقيلية

 بكونه جزءاً من أراضي السهل الساحلي لفلسطين، فوق طرفه الشرقي، وعلى بُعد 14كم من ساحل البحر الأبيض المتوسط.

***

الحياة الاجتماعية في قلقيلية

المقدمــة

أن أهم ما يميِّز السلوك الإنساني عن سلوك بقية الكائنات الحية، أن الإنسان بطبعه كائن اجتماعي، يميل إلى العيش مع الآخرين، ويحتاج إليهم من أجل توفير وسائل العيش وأسباب الحياة، ويشعر بينهم بالأمن والاستقرار والطمأنينة والانتماء.

فالإنسان لا يستطيع أن يعيش منعزلاً عن الآخرين، لأنه غير قادر بمفرده على تحصيل حاجاته وما يغذي وجود استمرارية حياته ووجوده، لذلك فهو يحتاج إلى الغير من أجل توفيرها. ومن هنا كان لا بد له من التعاون مع أبناء جنسه من أجل تحقيق حاجياته الأساسية في العيش، وتأمين مقومات حياته، وإذا لم يتحقق هذا التعاون فاستمرارية حياته تغدو مهددة بالخطر، بل تكون مستحيلة بدونه.

وفي ذات الوقت، فهو محتاج إلى المخالطة والمعاشرة والرفقة والجيرة، فمهما بلغ الفرد من مستوى في الاكتفاء، فانه يبقى بحاجة إلى الآخرين، فالإنسان مدني بالطبع، يتفاعل مع أفراد مجتمعه ويتآلف معهم، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يشد أزرهم ويساندهم في مصائبهم ويواسيهم في أحزانهم، ويسعى على حاجاتهم، ويشارك في حلّ مشاكلهم، ويهبُّ لنجدتهم عند الشدة والبلاء، يودعهم عند سفرهم، ويستقبلهم عند عودتهم، ويعودهم عند مرضهم، يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، ويذرف الدموع على موتاهم. هذه العلاقات تفرضها العادات والتقاليد المتوارثة عن الآباء والاجداد، وتحكمها آداب الدين الاسلامي الحنيف. فالتعاون من صفاتهم الأصيلة، ففي الأفراح يشارك الجميع، لان الفرح فرح الجميع، يقدمون اكياس الارز والذبائح، يشاركون في حفل العرس، يرقصون ويغنون، يزفون العريس ويقدمون له النقوط والهدايا.

وفي الأتراح يكون الحزن حزن الجميع، يشاركون في تشييع الجنازة، وفي الديوان يقدمون العزاء لاهل الفقيد، بينما تذهب النساء إلى بيت المتوفى لمواساة أهله. ويتم تأجيل العرس عند وفاة أحد أهالي قلقيلية لمدة طويلة قد تمتد لنحو سنة كاملة، مراعاة لخاطر وأحزان ذوي المتوفى، حتى وان كان من غير حمولة العريس، ويذهب بعد ذلك عددا من الوجهاء وكبار السن إلى ديوان حمولة المتوفى، للاستئذان بإتمام العرس، ويدعونهم لحضور الفرح. فاذا نالوا موافقتهم، يقبل أهل المتوفى الدعوة لحضور ذلك الفرح، ويكون ذلك دلالة على رضاهم عن طيب خاطر ورضا كامل. اما المنازعات والخصومات بينهم فكانت تُحل في إطار العرف والعادات والتقاليد المتعارف عليها، والتسامح العربي الأصيل. وكان الوسطاء في حل أية خصومة يدفعون من جيبهم الخاص، اذا عجز احد المتخاصمين عن دفع ما يستحق عليه للطرف الثاني، حتى يجعلوا الحل حقيقيا ودائما بينهم. وفي الافراح يقدمون النقوط للعريس، وفي الأحزان يقدمون الطعام لاهل الميت، وفي موسم الزراعة والحصاد كان يساعد بعضهم بعضا، ويتعاونون في جني محاصيل مزروعاتهم، وكذلك في بناء مساكنهم.

وكان الناس يعتبرون التعاون فيما بينهم واجبا مقدسا يتسابقون لتقديمه، لا فرق بينهم في ذلك.

وكانت العلاقات بين الجيران تتسم بالمودة والانسجام والوئام، يتزاورون فيما بينهم، ويسهرون مع بعضهم البعض، يتبادلون الهدايا وأطباق الطعام، ويشكلون ما يشبه العائلة الواحدة، ويحرص كل واحد منهم على الابقاء على علاقات طيبة ومتينة مع جيرانه.

ويذكر الحاج صبحي هلال (ابو هاشم-85عام) ان اهالي قلقيلية كانوا يتعاونون فيما بينهم في إكرام الضيف، فلم تكن حتى بداية عقد الستينات من القرن الماضي مطاعم في قلقيلية، وكان الناس يأتون الى قلقيلية من القرى المجاورة يوم الجمعة للتسوق فيها، وكانت الدواوين القريبة من منطقة السوق تقوم بتقديم طعام الغداء للضيوف الزوار والمتسوقين من القرى المجاورة. ومن هذه الدواوين- ديوان آل زيد الجنوبي، ديوان "يونس العمر نزال"، وديوان "قاسم نزال (ابو عمشة)، وديوان "سهم الليل".

هكذا كانت حياة الناس في قلقيلية، وهي لا زالت كذلك، وان تعرضت في بعض جوانبها الى التغيير والتبديل، تبعاً لتطور الحياة العصرية وتعقدها، وانشغال الناس بأمور حياتهم ومشاكلهم اليومية، في ظل حالة اللايقين من المستقبل، التي تعيشها المنطقة العربية منذ عدة عقود.

وتحكم العلاقات بين الناس عادات وتقاليد متوارثة عن الاجيال السايقة، واصبحت بمرور الزمن بمثابة دستور الحياة الاجتماعية في قلقيلية، يجب الالتزام بها، وان حدث  بعض التعديل عليها في العقود الاخيرة، بسبب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي عاشتها المنطقة.

والعادات هي نماذج للعمل وأنماط للسلوك الاجتماعي يمارسها الأفراد في أي مجتمع من المجتمعات، ويتكرر فعلها في مناسبات عديدة ويعتاد الناس عليها، وتكتسب بصورة تلقائية، وتكون مقبولة لدى افراد المجتمع. قد يطول وجودها او يقصر حسب الظروف والتبدلات الاجتماعية، بينما التقاليد هي العادات التي تأخذ سنوات طويلة حتى تثبت وتستقر في المجتمع، وسنوات أطول حتى تتغير وتتبدل، ويتم تناقلها وتوارثها من جيل الى جيل. والعادات والتقاليد هي الدعائم الأولى التي يقوم عليها التراث الشعبي والثقافي في كل بلد.

وتمثل دورة الحياة اليومية في قلقيلية (كالميلاد، والوفاة، والزواج، والاعياد، ورمضان والحج، والمولد النبوي، الطهور، والعلاقات مع الجيران والضيافة وزيارة المرضى..الخ) جانبا كبيرا من العادات والتقاليد المتوارثة عن الاجيال السابقة. ففي مثل هذه المناسبات الاجتماعية وما اتصل بها من مراسم في التهنئة والتعزية والمباركة -وإلى غير ذلك مما شاع بين الناس- ترسّخت أنماط من العادات والتقاليد، قد تصل إلى مستوى القانون الاجتماعي الصارم، الذي يجب الامتثال له، وعدم الاخلال به.

وتتجلى العلاقات الاجتماعية بين الناس في اوجه عديدة من النشاط الاجتماعي، كمناسبات الافراح، والمناسبات الحزينة- كالوفاة، والمناسبات الدينية -  كالاعياد، وكذلك سهرات الغناء والدبكات في مناسبات  الاعراس.

وتمارس معظم المناسبات الاجتماعية في دوواوين قلقيلية، التي كانت ولا زالت المكان الوحيد الذي تتجلى فيه العلاقات الاجتماعية بين الناس في احلى وابهى صورها.

***

       
samirsous@myqalqilia.com
       

سمير زهير ألصوص

قلقيلية - فلسطين

<a href="https://plus.google.com/https://plus.google.com/u/0/102734224795960454451/posts?rel=author">Google</a

*