قلقيلية بين الأمس واليوم

 
 
www.myqalqilia.com
 
     
 

 

- المقدمة - تجربة كوريا في التنمية الاقتصادية

-  التصنيع الكوري وتنمية الموارد البشرية

-  العوامل الايجابية التي ساهمت في تحقيق التنمية الاقتصادية في كوريا الجنوبية.

-  إستراتيجية التنمية الاقتصادية الكورية وانجازاتها

-  السياسة الزراعية وتنمية الريف في كوريا الجنوبية

-  كوريا الجنوبية.. عروس آسيا

- اقتصاد السوق والإطار المؤسسي للتنمية

-  استراتيجيات الترويج للصادرات، والسياسة التجارية، والاستثمار الأجنبي في كوريا الجنوبية

- تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية - PDF

- التنمية الصناعية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في كوريا

-  دور الحكومة في التنمية الاقتصادية

 

     

 

 

قلقيلية بين الأمس واليوم

برامج تحسين الإنتاجية

مصطلحات الاقتصاد والمال  والأعمال

Qalqilia - Past & Present

Productivity Improvement Programs

Econ, Financial & Business Terms

***

تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية

South Korea's Experience in Economic Development

 

Economic Development & Market Economy

For   Middle East &  African Countries

التنمية الاقتصادية واقتصاد السوق لدول الشرق الأوسط وأفريقيا

Seoul – Korea

2005

 

برعاية:

Sponsored By:

الوكالة الكورية للتعاون الدولي

Korea International Cooperation Agency

 

بالتعاون مع:

In Cooperation With:

معهد إستراتيجية التنمية

Institute for Development Strategy

KOICA - KDS - ICTC

* * *

South Korea's Economic Development

Strategy & Its Performance

إستراتيجية التنمية الاقتصادية الكورية وانجازاتها

***

في الاربعة عقود الاخيرة، سجل الاقتصاد الكوري نموا اقتصاديا عاليا من خلال استخدام العمالة المؤهلة، وتدفق راس المال الاجنبي، وتشجيع التصدير، والقيادة الحكومية القوي. فمن اوساط الستينات من القرن الماضي قامت الحكومة بتبني سياسة توجيه الصادرات لزيادة الدخول الى الاسواق العالمية لابناءاً على سياسة احلال الواردات التي تبنتها في الفترة من 1953-65م. لقد كانت التجربة الكورية في التنمية الاقتصادية احدى  القصص الناجحة في قارة آسيا، حيث أسهمت استراتيجية التنمية الاقتصادية الشرقية الانفتاحية، التي تعتبر الصادرات بمثابة محرك للنمو، إلى حد كبير في التحول الكبير للاقتصاد الكوري. واعتماداً على مثل هذه الاستراتيجية زاد اجمالي الدخل القومي الكوري من 2.3 مليار دولار في عام 1962م الى 680.1 مليار دولار عام 2004م. كما ارتفع نصيب الفرد من اجمالي الدخل القومي من 87.0 دولار إلى 14,162 دولار أمريكي. وتشير هذه الأرقام المعبرة إلى النجاح الكبير لبرامج التنمية الاقتصادية وما حققته من نتائج.

إن كوريا، التي عرفت في الماضي بأنها واحدة من أكثر المجتمعات الزراعية الفقيرة، عملت على تنفيذ تنمية اقتصادية منذ أوائل عام 1962. وفي أقل من أربعة عقود، استطاعت تحقيق ما يسمى بـ"المعجزة الاقتصادية على نهر الهان"، هذه المعجزة التي حولت كوريا من دولة تتسم بالفقر والتخلف الاقتصادي الى دولة صناعية متقدمة، وضعت بصماتها على صفحات التاريخ الحديث.

نستعرض فيما يلي كيف أمكن لدولة كوريا الجنوبية أن تسابق الزمن وتحقق قفزة تنموية واقتصادية ونهضة شاملة في أقل من ثلاثين سنة!؟

الأوضاع التي كانت عليها كوريا قبل المباشرة بالتنمية الاقتصادية:

تحررت كوريا من الاحتلال الياباني عام 1945م، بعد 35 عاما من الاحتلال للبلاد، وتم تقسيمها فيما بعد الى كوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية. كان من نصيب كوريا الجنوبية ثلثي عدد سكان كوريا قبل التقسيم، لكن بنصف المساحة الإجمالية لكوريا، مع القليل من الصناعات الخفيفة ومحطات توليد الكهرباء. وكان القطاع الزراعي هو القطاع السائد. وعملت الحكومة على تنفيذ الاصلاح الزراعي لكنه فشل في امداد الصناعة باحتياجاتها من المواد الاولية ذات المنشأ الزراعي.

وفي عام 1950م اندلعت الحرب الكورية والتي استمرت حتى عام 1953م. وكان نتيجة ذلك ان دمرت بالكامل القاعدة الصناعية الصغيرة والبنية التحتية.

عندما انتهت الحرب الكورية عام 1953، كانت كوريا من احدى افقر الامم في العالم. وقد دُمرت معظم مدنها ومصانعها خلال الحرب الكورية، وكان على الكوريين اعادة بناء بلادهم من جديد. وكان الناتج القومي الإجمالي لكوريا الجنوبية حوالي 1553$ مليون دولار للفترة من 1952-53م ، اما نصيب الفرد من الدخل القومي فكان من 60-70$ لنفس الفترة. ومن حيث مشاركة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي، فكانت كما يلي: الزراعة 75.3%، الصناعة 15.7%، اما باقي القطاعات الاقتصادية فكانت 9%.

وفي انتخابات عام 1948م التي جرت باشراف الامم المتحدة، أُختير سينغمان ريه Syngman Rhee ليكون الرئيس الأول لجمهورية كوريا الجنوبية. ولم يكن الرئيس Rhee رجلا محبوبا لدى الناس وكان يحمل على كتفيه أنشف رأس يمكن أن يحمله إنسان كما كانوا يطلقون عليه, فقد أصر على أن تبقى كوريا بلدًا زراعيًا في ظل الهيمنة الأمريكية. واثناء فترة حكمه لم يستطع إخراج كوريا من دائرة الفقر المدقع، وبدلا من ذلك كان هناك الكثير من الفساد. وقد اجبر على الاستقالة في عام 1960م بسبب التزوير في الانتخابات. وفي نفس العام تم اختيار الرئيس "يون بو-صن  "Yun Po-sun. وفي عام 1961م قام الجنرال بارك تشونغ هي Park Chung Hee" بانقلاب عسكري وتم انتخابه رئيسا للبلاد في عام 1962م.

كانت السياسة التجارية لكوريا في سنوات الخمسينات معتمدة على إحلال الواردات. واصدار رخص الاستيراد، وكان الكثير من الواردات تخضع لحصص او كميات محددة. اما الصادرات فلم تتجاوز الـ 24$ مليون دولار في عام 1954م، وكانت في الأغلب تتكون من المنتجات الأولية (مثل الخامات المعدنية، الحرير الخام، الاغرة agar – مادة هلامية تستخلص من الطحالب البحرية) والتي كانت تشكل نسبة 95% من المجموع الكلي للصادرات.

اما العجز في الميزان التجاري فكان يتم تمويله من المساعدات الأمريكية، ومن خلال فرض المزيد من القيود على الاستيراد. وكان نتيجة ذلك ارتفاع الأسعار في السوق المحلي.

1. اولاً: إستراتيجيات التنمية الاقتصادية الكورية Korea's Economic Development Strategies

عندما انتهت الحرب الكورية عام 1953، كانت كوريا من احدى افقر الامم في العالم. وقد دُمرت معظم مدنها ومصانعها خلال الحرب الكورية، وكان على الكوريين اعادة بناء بلادهم من جديد. وكان الناتج القومي الإجمالي لكوريا الجنوبية حوالي 1553$ مليون دولار للفترة من 1952-53م ، اما نصيب الفرد من الدخل القومي فكان من 60-70$ لنفس الفترة. ومن حيث مشاركة القطاعات الاقتصادية في الناتج المحلي الإجمالي، فكانت كما يلي: الزراعة 75.3%، الصناعة 15.7%، اما باقي القطاعات الاقتصادية فكانت 9%.

وفي انتخابات عام 1948م التي جرت بإشراف الامم المتحدة، أُختير سينغمان ريه Syngman Rhee ليكون الرئيس الأول لجمهورية كوريا الجنوبية. واثناء فترة حكمه لم يستطع إخراج كوريا من دائرة الفقر المدقع، وبدلا من ذلك كان هناك الكثير من الفساد. وقد اجبر على الاستقالة في عام 1960م بسبب التزوير في الانتخابات. وفي نفس العام تم اختيار الرئيس "يون بو-صن  "Yun Po-sun. وفي عام 1961م قام الجنرال "بارك تشونغ هيه Park Chung Hee" بانقلاب عسكري وتم انتخابه رئيسا للبلاد في عام 1962م.

كانت السياسة التجارية لكوريا في سنوات الخمسينات معتمدة على إحلال الواردات. واصدار رخص الاستيراد، وكان الكثير من الواردات تخضع لحصص او كميات محددة. اما الصادرات فلم تتجاوز الـ 24$ مليون دولار في عام 1954م، وكانت في الأغلب تتكون من المنتجات الأولية (مثل الخامات المعدنية، الحرير الخام، الاغرة agar – مادة هلامية تستخلص من الطحالب البحرية) والتي كانت تشكل نسبة 95% من المجموع الكلي للصادرات.

اما العجز في الميزان التجاري فكان يتم تمويله من المساعدات الأمريكية، ومن خلال فرض المزيد من القيود على الاستيراد. وكان نتيجة ذلك ارتفاع الأسعار في السوق المحلي.

بدأت مسيرة التنمية في كوريا بتدشين اول خطة للتنمية عام 1962م، بعد مرور عام واحد فقط على تولي الجنرال Park مقاليد السلطة من خلال انقلاب عسكري. وقررت السلطة العسكرية الحاكمة ان آنذاك ان يكون للدولة دورا نشيطا في عملية التنمية، ولذا لم تمض الا فترة وجيزة على الانقلاب، حتى تم استحداث هيئات ومؤسسات جديدة لقيادة مسيرة التنمية ابرزها كان مجلس التخطيط الاقتصادي Economic Planning Board الذي اوكلت اليه مهمة ادارة وتخطيط بناء الاقتصاد الوطني، كما تم تكليفه بمهمة الاشراف والتنسيق بين الوزارات التي تلعب دورا في الحياة الاقتصادية

وقد تضمنت استراتيجيات التنمية الاقتصادية الكورية ما يلي:

1.  اعادة هيكلة الاقتصاد وسياسة احلال الواردات (1953-65م) Economic Reconstruction & Import Substitution Policy

في المرحلة المبكرة لتطورها الاقتصادي تبنت كوريا خلال الفترة من 1953-65م نظام الحماية وإستراتيجية دعم صناعات إحلال الواردات، وعلى وجه الخصوص في الصناعات التي تمتاز كوريا بميزة نسبية فيها، مثل صناعة الملابس، والنسيج، وصناعة الأحذية والجلود، والصناعات الغذائية، والصناعات التي تنتج السلع والمواد الوسيطة الأساسية كالاسمنت والأسمدة، وركزت كوريا على الصناعات كثيفة العمالة لاستيعاب اكبر عدد ممكن من القوى العاملة العاطلة عن العمل.

وخلال هذه الفترة بقيت الصادرات تافهة، لا تتجاوز نسبتها 3.3% من الناتج القومي الإجمالي (GNP)، وكانت اغلب السلع المصدرة سلعاً أولية، مثل المنتجات الزراعية والسمكية، والخامات المعدنية. وخلال هذه الفترة تلقت كوريا مساعدات كبيرة من الولايات المتحدة الأمريكية ومن الأمم المتحدة.

وتم خلال هذه الفترة تنفيذ الخطة الخمسية الأولى للتنمية الاقتصادية (62-1966) والتي كان هدفها احراز التقدم الصناعي وبناء الأساس السليم للنمو الاقتصادي المستديم. وبانتهاج سياسة احلال الواردات شجعت الحكومة اقامة بعض الصناعات الثقيلة والكيماوية الضرورية، مثل صناعة الحديد والصلب، صناعة الاسمنت، صناعة البتروكيماويات، وتكرير البترول، وقامت بتوجيه الاستثمارات نحو هذه الصناعات، وتوفير الحوافز المناسبة لدفع الشركات، وخاصة المجمعات الصناعية الـ Chaebol، للاستثمار في هذه الصناعات، ايمانا من الدولة ان هذه الصناعات تعمل على نشوء الترابطات الأمامية والخلفية Backward and forward linkages داخل القطاع الصناعي، وبين القطاع الصناعي والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

ومن ابرز السياسات التي اتبعتها كوريا خلال هذه الفترة ما يلي:

-   تنظيم الأسواق المالية وتوجيه المصارف التجارية لتقديم القروض والتسهيلات المالية بأسعار فائدة متدنية على القروض المتوسطة والطويلة الأجل في القطاع الخاص

-       الاحتفاظ بسعر التبادل الرسمي للعملة الكورية عند مستوى عالٍ "اصطناعياً"

-       إتباع سعر صرف متعدد للعملة الكورية، بحيث يكافئ المصدرين، ويعاقب المستوردين.

-   اتخاذ إجراءات حمائية Protective measures للصناعات المحلية تمثلت في فرض تعرفة جمركية عالية، وتحديد حصص للاستيراد، ومتطلب استصدار رخصة استيراد من الجهات المختصة.

-   وضع القيود على الوردات باستثناء الواردات من المواد الخام والوسيطة اللازمة لصناعات إحلال الواردات، وذلك تمشيا مع سياسة الدولة لتطوير الصناعات الأساسية.

ونجحت سياسة إحلال الواردات إلى حدٍ ما خلال هذه المرحلة (خاصة للسلع غير المعمرة ومستلزماتها من المواد الخام)، وذلك بسبب توفر العمالة الرخيصة، والمواد الخام والسلع الوسيطة من مصدر محلي لهذه الصناعات. وقد اكتملت سياسة التوجه للداخل Inward-looking policy كمرحلة اولى لسياسة التصنيع فيها، ووصل السوق المحلي الى درجة الإشباع. لكن سياسة احلال الواردات لم تنجح في جعل القطاع الصناعي هو القطاع الرائد في الاقتصاد القومي. فقد بقيت مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي، والتصدير، والتوظيف، محدودة للغاية بالمقارنة مع دول جنوب شرق آسيا. ومع ذلك وضع الاقتصاد الكوري بنجاح الأساس للتصنيع، وكان قد أُعدَّ جيداً للانطلاق الى المرحلة الثانية well prepared for a second takeoff.

 

2.  سياسة الإصلاح وسياسة التصنيع للتصدير (1966-72م) Policy Reforms & Export-led Industrialization Policy

في المرحلة الاولى من سياسة تشجيع الصادرات الصناعية عملت الدولة على توجيه الاستثمارات نحو صناعات احلال الواردات، ونظرا لضيق السوق المحلية، وافتقار كوريا للموارد الاقتصادية اللازمة لتنفيذ سياسة احلال الواردات، كان لا بد من التوجه الى السوق العالمية.

تحولت الحكومة الكورية من تطبيق سياسة التصنيع القائم على إحلال الواردات إلى سياسة التصنيع الموجه للتصدير، وذلك خلال الخطة الاقتصادية الثانية (1967-1971م)، وركزت الحكومة في هذه الفترة على تعزيز الوضع التنافسي للصناعات التصديرية في الأسواق الدولية. وتم استصدار تشريع جديد لترويج وتشجيع التجارة الخارجية، وهو ما أدى إلى توفير تسهيلات تمويلية، وتطبيق حوافز ضريبية لتشجيع الصناعات الموجهة نحو التصدير.

ولم يكن السبب الرئيس لتبني الحكومة سياسات تشجيع الصادرات ناجم عن إيمان الرئيس Park بمنافع التوجه الى الخارج، بل ان تبني سياسة تشجيع الصادرات كان ردا طبيعيا على انخفاض المساعدات الخارجية، وتوسع الطلب على العملات الأجنبية.

كانت محصلة تبني إستراتيجية التوجه للخارجOutward-looking strategy  ان ساهمت في تسريع عملية التصنيع. هذه الإستراتيجية كانت مناسبة بشكل جيد في ذلك الوقت بسبب قلة المصادر الطبيعية في كوريا الجنوبية، وانخفاض نسبة الادخار وصغر السوق المحلي. وشجعت هذه الإستراتيجية النمو الاقتصادي اعتمادا على صناعات التصدير كثيفة العمل labor-intensive manufactured exports، التي يمكن لكوريا أن تتمتع فيها بميزة تنافسية، مثل المنسوجات، والأحذية، والسلع الغذائية والخشب المصفح (الأبلاكاج) plywood، التي كانت ذات قدرة تنافسية عالمية، بسبب تكاليف العمل الرخيصة، وكانت قادرة على استيعاب الموارد البشرية المعطلة.

لعبت المبادرات الحكومية دوراً مهماً في هذه العملية. فشجعت تدفق رأس المال ألأجنبي لسد النقص في الادخار المحلي. ومكنت هذه الجهود كوريا الجنوبية من تحقيق نمو سريع في الصادرات وزيادات متتالية في الدخل.

وبدأت الحكومة خلال هذه الفترة بتنفيذ سياسة التصنيع الموجه للتصدير لاحراز نمو اعلى، وللانتفاع من الميزة النسبية التي تتمتع بها كوريا في الصناعات كثيفة العمالة من اجل التصدير، وتدخلت بشكل ايجابي لزيادة الإنتاج المخصص للتصدير.

من الوسائل التي استخدمتها الدولة لتشجيع الصادرات الصناعية هي:

-         قامت الحكومة بتاميم البنوك التجارية للتحكم في منح القروض التمييزية والدعم الانتقائي لبعض

الصناعات التي تنتج لغرض التصدير. وكانت تمنح القروض بسهولة ويسر، وباسعار فائدة متدنية. ولم يقتصر ذلك على قطاع صناعي دون آخر، بل كان بامكان أي منشأة صناعية او زراعية تنتج بغرض التصدير ان تحصل على قروض ميسرة.

-   نجحت هذه الاستراتيجية في زيادة الوزن النسبي لقطاع الصناعة في مجمل الصادرات، كما ساهمت في زيادة الناتج المحلي الاجمالي

-        قامت الدولة بالاقتراض من الخارج، كما اذنت للمؤسسات الخاصة القيام بذلك.

-        تبني الحكومة لسياسة المعدلات العالية للفوائد على اموال الإيداع من اجل تعبئة الموارد المالية المحلية من خلال تشجيع الادخار.

-        شجعت الحكومة تدفق الاستثمار الاجنبي

-        لجوء الحكومة الى الادخار الاجباري للموظفين الحكوميين، واجبارهم على فتح حساب توفير

-   انشاء الحكومة الوكالة الكورية لتشجيع الصادرات واوكلت الى مهمة تقديم الخدمات الادارية والمعلومات اللازمة للمصدرين كي يتمكنوا من انشاء شبكات توزيع في البلدان الاجنبية.

-        اعفاء المواد الخام والوسيطة التي تستخدم كمدخلات في الصناعات المصدرة من اية رسوم جمركية.

-   وضع العديد من القيود على الواردات لحماية الصناعة المحلية، يستثنى منها الواردات من المواد الخام والسلع الوسيطة التي تستخدم كمدخلات في الصناعات التحويلية

-       تخفيض قيمة العملة الكورية (won) مقابل الدولار الأمريكي لزيادة الصادرات

-   تنفيذ العديد من البرامج والحوافز لتشجيع أنشطة التصدير، مثل - تخفيض الضريبة المفروضة على دخول المصدرين، دفع بدل الفاقد من المواد الخام المستوردة، تسهيل الحصول على القروض الطويلة ومتوسطة الاجل، الاعفاء الجمركي للمستوردات من السلع الرأسمالية.

-   تم تحديد عددا من الصناعات الهامة، والتي تتمتع بميزة نسبية ومنحت مختلف الحوافز لتشجيع التصدير، مما أدى الى زيادة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الاجمالي وزادت نسبة التوظيف فيها.

لقد قامت الحكومة بعمل لوائح وقوانين لكل صناعة من الصناعات الموجهة للتصدير لتنظيم عملها، كما قامت بحث المصارف التجارية على تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية باسعار فائدة متدنية وبدل عمولات منخفضة لهذه الصناعات.

وبعدما أصبحت المؤسسات الكورية قادرة على المنافسة في الاسواق العالمية، قامت الدولة بتحرير بعض الواردات سنة 1967م، وتم تغيير اللوائح المنظمة للواردات، حيث حلت قائمة السلع الممنوع استيرادها محل قائمة السلع المسموح استيرادها، أي نقلتها من القائمة السلبية الى القائمة الايجابية from negative list to positive list.

لقد اتبعت الحكومة إستراتيجية تشجيع الصادرات، وذلك ايمانا منها بان هذه الإستراتيجية تعمل على توسيع حجم السوق من خلال الانطلاق الى الخارج.

الا ان عملية تشجيع الحكومة لعدد من الصناعات الإستراتيجية وتقديم الحوافز لها وتفضيلها على غيرها من الصناعات وخاصة الصغيرة والمتوسطة منها، ادى الى تضخم الاستثمار في هذه الصناعات فيما بعد، وكذلك تمركز القوة الاقتصادية في ايدي فئة محدودة من المستثمرين، وحرم الاخرين من الاستثمار في هذه الصناعات.

في اوائل السبعينات (1970s)، بدأ قطاع الصناعة بمواجهة مشاكل ذاتية. حتى ذلك الوقت، كان الهيكل الصناعي يعتمد على القيمة المضافة المنخفضة والمنتجات كثيفة العمل، والتي واجهت منافسة متزايدة من الدول النامية الأخرى. ، كما أن سياسات الحماية التي تنفذها الدول الأخرى أدت إلى تخفيض الصادرات الكورية الجنوبية.

وأشارت الإحصاءات الرسمية إلى النمو الإقتصادي السريع لجمهورية كوريا، حيث تحققت نجاحات كبيرة خلال فترة خطتي التنمية الإقتصادية الاولى والثانية. ونما قطاع الصناعة المحفز بنسبة 15% و 21%، على التوالي أثناء الخطتين. كما نمت نسب الادخار المحلي وتوسعت الصادرات بشكل ملحوظ. كما اتبعت الحكومة خلال هذه الفترة إستراتيجية إقتصادية جديدة تؤكد على التنوع في الانتاج Diversification أثبتت نجاحها في عقد السبعينات (1970s).

3.  سياسة الصناعات الثقيلة والبتروكيماويات (1973-79م) Heavy and Petrochemical Industrialization Policy

في أوائل السبعينات، واجهت كوريا مناخاً جديداً من الحماية، التي انتشرت بسرعة، وتزامنت مع الكساد العالمي، الذي سببته ألازمة النفطية العالمية الأولى في عام 1973م. وقد واجهت الصناعات الخفيفة كثيفة العمل industries  labor-intensive light منافسة شديدة من الدول النامية الأخرى، حيث أجبرت هذه الظروف الاقتصاد الكوري على تعديل هدفه الاستراتيجي.

فقد اقتنعت الحكومة بضرورة إعادة هيكلة الصناعة من خلال الترويج لاقامة الصناعات الثقيلة والكيماوية، مثل – بناء السفن، وصناعة الحديد والفولاذ، وصناعة السيارات والمكائن، والصناعات البتروكيماوية، في اطار ما يسمى باستراتيجة الصناعات الثقيلة والكيماوية ذات الكثافة الراسمالية والقيمة المضافة العالية. واعلن الرئيس Park في خطابه الموجه الى الامة الكورية في بداية عام 1973م ان الدولة ستمضي قدماً في تطوير الصناعات الثقيلة والكيماوية، وتوخت الدولة من وراء تطوير هذه الصناعات تحقيق ثلاث اهداف: 

-        التخلي بالتدريج عن الصناعات كثيفة العمالة، نظرا لإجراءات الحماية التي اتخذتها البلدان المتقدمة في ذلك الوقت.

-        رغبة الرئيس Park في تحقيق الاعتماد على الذات فيما يتعلق بتحقيق الامن القومي.

-        ايجاد القاعدة الصناعية القوية لتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة.

التحول من الصناعات كثيفة العمل الى الصناعات كثيفة راس المال

Shift to capital-intensive industries from labor-intensive

وأعلنت الحكومة "خطة الصناعات الثقيلة والكيماوية Heavy and Chemical Industry Development Plan"، وتقدمت ببرامج هائلة للاستثمار في هذه الصناعات. و عملت الحكومة خلال هذه الفترة على تعميق وتنويع الصناعات من خلال إنشاء قاعدة صناعية تحقق الاكتفاء الذاتي في مجال الصناعة، وذلك بالتركيز على الصناعات البتروكيماوية والثقيلة، لان مخرجات هذه الصناعات تستخدم كمدخلات في صناعات أخرى، كما ان هذه الصناعات تحقق قيمة مضافة عالية، وتساهم في تقليل استيراد المواد الوسيطة والرأسمالية، مثل الماكينات والآلات والمعدات والمحركات ... وغيرها، مما يعمق الترابطات الأمامية والخلفية في قطاع الصناعة، وبين الصناعة والقطاعات الاقتصادية الأخرى.

ومن الاساليب التي انتهجتها الحكومة لحماية الصناعات الاستراتيجية هي التخفيف من حدة المنافسة فيما بين هذه الصناعات، من خلال متطلب موافقة الحكومة المسبق على اقامة أي نوع من هذه الصناعات، فكان على المستثمر التقدم بطلب الى الحكومة للسماح له بالاستثمار في هذه الصناعات. ومن اجل تشجيع الصناعات الاستراتيجية منحت الحكومة هذه الصناعات امتياز الوصول الى الاسواق المالية العالمية لغرض الاقتراض بضمانات من الحكومة. وفي نفس الوقت وضعت الحكومة قيودا على القطاع الخاص للاقتراض من الخارج، وربطت عملية الاقتراض بموافقتها المسبقة، الامر الذي ادى الى استفادة الصناعات الاستراتيجية من هذه السياسة.

ان الهدف من وراء إنشاء أي شركة في الغرب هو تحقيق ألارباح للمؤسسين، ولكن في كوريا كان الهدف من انشاء الشركات هو بناء الدولة.

هذه هي العقيدة التي رسخها الرئيس بارك في عقول الكوريين، وآمنوا بها.

كما وضع الرئيس Park مجموعة معقدة من النظم بحيث تضمن تحقيق هذا الهدف, وأول هذه النظم هو منع الشركات الصناعية من الاستثمار في المجال المالي إلا في حدود 8% فقط من هذه المؤسسات. وإذا أراد أي مستثمر قرضًا من أجل التوسع أو بناء مشروع جديد فهو لا يستطيع التوجه إلى أي مصرف, ولكن عليه أن يتوجه إلى البنك المركزي للحصول على موافقة الحكومة على مشروعه أولا. وعلى هذا البنك أن يطمئن إلى أن هذا المشروع يصب في مصلحة بناء الدولة اولاً وأخيراً, حتى وان كان هذا القرض سيتم الحصول عليه من مصادر تمويل اجنبية. وينسحب هذا الأمر على كل المشروعات بدون تمييز. وهكذا فإن ادارات البنوك لا يتحملون مسئولية القروض السيئة لأن الحكومة - ممثلة في البنك المركزي - هي التي تتحمل مسئولية هذه القروض, وهذا ما شجع الشركات على الدخول في مشروعات جديدة لم تعمل بها من قبل).

وفي ظل الخطة الخمسية الثالثة (1972-76م)، تحركت الحكومة بشكل جريء لتوسيع الصناعات الثقيلة والكيماوية من خلال الاستثمار في مصانع الفولاذ، والمكائن، وبناء سفن، وصناعة الالكترونيات، والمواد الكيماوية، والمعادن اللاحديدية nonferrous metals. وقد بانت قدرات كوريا الجنوبية في صناعة تكرير النفط وإنتاج الفولاذ بشكل خاص. وبدأت بتصدير السيارات الى بعض أسواق. وقد هدفت الخطة التنمية الاقتصادية الثالثة الى تهيئة كوريا الجنوبية بشكل أفضل للمنافسة في الاسواق العالمية، ولتسهيل الانتاج المحلي من الاسلحة لتكون كوريا ايضا دولة قوية عسكريا، وقادرة على الدفاع عن نفسها.

وقد لعبت الدولة دورا كبيرا في تطوير هذه الصناعات من خلال منح الحوافز المناسبة للاستثمار في هذه الصناعات الجديدة، والتي تمثلت فيما يلي:

-   قيام الدولة بتحديد حجم وقدرات الانتاج لكل فرع من فروع الصناعة المنتقاة، كما اختارت التكتلات الخاصة "Chaebol" التي اوكلت اليها بعض الصناعات، مثل هونداي التي اوكلت اليها القيام بصناعة السفن.

-        منح القروض الميسرة لهذه التكتلات وتسهيل حصولها على تراخيص للاستيراد.

-   تخفيض الضريبة على الصناعات الثقيلة. فقد بلغ معدل الضريبة الفعلي 20% في الصناعات الثقيلة مقابل 50% في الصناعات الخفيفة.

-        توفير الحماية لهذه الصناعات من خلال خلال فرض الرقابة على الواردات ومراقبة الأسعار

-   ضاعفت الدولة من انفاقها على المؤسسات التعليمة والمهنية وانشأت الكثير من المعاهد المتخصصة، بقصد توفير الكوادر المطلوبة للصناعات من المهندسين والفنيين.

-   ايجاد ترابط قوي بين الحكومة ومنشآت الاعمال والجامعات. وكان الهدف في هذه المرحلة هو استيعاب وتطوير التكنولوجيا الحديثة على مستوى المشروعات دون الارتكان الى انظمة التكنولوجيا المستوردة.

-        الانفاق الكبير على البحث والتطوير R&D والذي وصل في ذلك الوقت إلى 2% من الناتج القومي الاجمالي

-   دفعت الحكومة بالعديد من المجمعات الصناعية (Chaebol) للدخول في تعاون وشراكة ثلاثية مع القطاع العام ومؤسسة البحوث وتكنولوجيا الالكترونات. وقد اثمرت هذه العلاقات التعاونية عن قيام المهندسين في هذه المجمعات، مثل -  سامسونغ Samsong وغولد ستار Goldstar ودايو Daewoo - بزيادة عدد المخترعات المسجلة للشركات الكورية على الصعيد العالمي لصناعة أشباه الموصلات.

-        عقد لقاءات دورية بين المسؤولين في الدولة وأصحاب هذه التكتلات، بحيث اصبحت هذه التكتلات تقرر السياسة الاقتصادية للدولة

وقد رافق ذلك تطور كبير في المستويات التعليمية. اذ ازداد عدد المهندسين الذين ساهموا في كفاءة تشغيل المصانع الكورية. وارتفعت خلال فترة السبعينات اعداد المتخصصين في حقل الالكترونات. وارسلت اعداد كبيرة من المهندسين للتدريب في المصانع المشابهة في اليابان.

-   وفي عام 1974م طلبت الحكومة من المؤسسات طرح راسمالها في البورصة حتى تحد من تركز الثروة في يد عدد محدود من التكتلات الصناعية الـ Chaebol، وتوزع بالتالي ثمار النمو الذي مولته الدولة.

-   وبلغ نصيب قطاع الصناعات الثقيلة من مجمل الاستثمارات في قطاع الصناعة التحويلية 57% في بداية السبعينات، ثم ارتفع الى 64% في اواسط السبعينات.

-   اعتمد الاقتصاد الكوري خلال هذه الفترة بشكل كبير على الاقتصاد الياباني لاستيراد احتياجاته من السلع الوسيطة والراسمالية، الامر الذي ادى بدوره الى تحقيق قدر كبير من التنافسية في الاسواق المحلية والعالمية.

وقد نمت الصناعات الثقيلة والكيميائية بشكل متسارع خلال الخطة الاقتصادية الثالثة، حيث تم تطوير الصناعات الكيميائية، وزيادة مساهمتها في السلع التصديرية بشكل ملحوظ.

وقد وصلت مساهمة مخرجات الصناعات الثقيلة والكيماوية الى نسبة 50% من إجمالي إنتاج قطاع الصناعة التحويلية عام 1980، بالمقارنة مع 33% و 41% عام 1971 و1975 على التوالي.

تطور الوزن النسبي للصناعات الثقيلة والخفيفة في هيكل الصناعة التحويلية (وحدة القياس: %):

 نوع الصناعة

1971

1975

1980

الصناعات الثقيلة

33

41

50

الصناعات الخفيفة

67

59

50

المجموع

100%

100%

100%

وقد احدث الاستثمار الزائد في هذه الصناعات تشوهات حادة في تخصيص الموارد على حساب الصناعات الخفيفة كثيفة العمل.

وكان من الآثار الجانبية الخطيرة لإستراتيجية النمو الاقتصادي الموجه، التي تؤكد على تشجيع الصادرات، ان حدث نقص شديد في السلع الاستهلاكية المحلية الذي تفاقم بسبب ارتفاع الأجور والارتقاء بمستوى المعيشة في البلاد. وكان نتيجة فرض الرقابة على اسعار السلع الاستهلاكية ان ثبط منتجي السلع الاستهلاكية وأعاق بالتالي إنتاجها.

ومن اجل معالجة هذه المعوقات قام السيد Park باستبدال الفريق الإقتصادي في الوزارة في كانون الأول من نفس العام (1978م) وتبنى الإجراءات لتخفيض معدل النمو، تمثلت فيما يلي:

- إتباع سياسة مالية صارمة تمثلت في صعوبة الحصول على قروض جديدة

- تحويل رؤوس الأموال التي كان مخططاً استثمارها في الصناعات الثقيلة الى الصناعات الخفيفة التي تنتج السلع الاستهلاكية

- تخفيض الرقابة على الأسعار لتشجيع زيادة الإنتاج من السلع الاستهلاكية

لقد أعتبرت الدفعة الكبيرة Big Push" للصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية فشلا في سياسات تدخل الحكومة. فالاستثمار الهائل تسبب في طاقات انتاجية فائضة  huge excess capacity في الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية، وتراكمت الديون غير المدفوعة للمؤسسات المالية والناجمة اصلا عن القروض الممنوحة الى هذه الصناعات.

4.  اعادة هيكلة الصناعة والتحول الى النظام المفتوح (1980-96م) Industrial Restructuring & the shift to Open System

كانت السياسة الصناعية التي ميزت فترة الثمانينيات تقوم على فكرة تحقيق النمو الصناعي المتوازن بين القطاعات الصناعية، وأعطت الأولوية للاستثمارات في الصناعات الثقيلة وكثيفة استخدام رأس المال مثل صناعة السيارات ومحركات الاحتراق الداخلي والماكينات الكهربائية الثقيلة. ونتيجة لتداعيات الركود الاقتصادي وآثار الصدمة النفطية عام 1979م تم وضع برنامج لإعادة هيكلة القطاع الصناعي في بعض الصناعات مثل صناعة النسيج وبناء السفن.

لقد واجهت الصناعات البتروكيماوية ضربة عنيفة بسبب الارتفاع الكبير في أسعار النفط عام 1979م. واعدت الحكومة خطة شاملة لمواجهة العجز في ميزان المدفوعات بسبب صدمة النفط الثانية وارتفاع أسعار البترول والمواد الأولية وما تلاها من كساد عالمي. كما ان كارثة المحصول الرئيسي الضعيف في ذلك العام، وتباطأ معدل نمو الصادرات اضر بالاقتصاد الكوري. وبسبب اعتماد الحكومة بشدة على الإقتراض الأجنبي للمشاريع الاستثمارية الضخمة، كان هناك عجز دائم في الحساب الجاري. ونتيجة لذلك، زاد الدين الخارجي بشكل سريع على مدار السبعينات، ليصل إلى 25$ مليار في عام 1980، أي حوالي 45% من الناتج المحلي الإجمالي. وتفاقمت المشكلة بصورة اكبر بسبب الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي أعقب اغتيال الرئيس Park في تشرين الأول عام 1979. وللمرة الأولى منذ 1957م، عانت كوريا من نمو سلبي للناتج المحلي الإجمالي بمقدار -2.7%، وارتفعت نسبة التضخم لتصل إلى 22.4% في عام 1980م.

بالرغم من أن هذه النكسات أضرت بالاقتصاد الكوري بشكل كبير في عام 1980، فقد تعافى الاقتصاد بسرعة، بسبب تحسن الحصاد وبسبب سياسة استقرار الأسعار والاصلاحات الواسعة النطاق التي شرعت بها الحكومة العسكرية تحت قيادة الجنرال Chun Doo Hwan. وكان من اهم مهام الحكومة الجديدة وضع الاولوية لاستقرار الاقتصاد، واعادة هيكلة المشاريع الصناعية وجعلها تعتمد على نظام السوق، من خلال التقليل الى الحد الادنى من تدخل الحكومة في نظام السوق، وتشجيع المبادرة الفردية للقطاع الخاص، وتحرير السياسات المتعلقة بالاستيراد والإستثمار الأجنبي من اجل تشجيع المنافسة، وتخفيض عدم التوازن بين القطاعات الريفية والحضرية، وتبني سياسة نقدية محافظة وإجراءات مالية مشددة من اجل السيطرة على التضخم. وسعت حكومة سيؤول الى الإستثمار في المشاريع العامة، مثل الطرق وسائل الإتصالات، بينما شجعت الى حدٍ كبير على مكننة الزراعة. وقد ادرك صانعو السياسات ان تحرير الواردات (او تخفيف القيود عنها) سيجعل المنتجات المحلية تواجه منافسة دولية بعد ان كانت محمية.

وقد استعاد الناتج المحلي الإجمالي معدل نموه ووصل الى 6.2 بالمائة في عام 1981. وتحسن ميزان المدفوعات بشكل بطيء، وهبطت نسبة العجز في الحساب الجاري الى الناتج القومي الإجمالي current account deficit-GNP ratio من 8.5% في عام 1980 إلى 1.9% في عام 1983. وإستقر الإقتصاد أيضاً بسرعة، وهبطت نسبة التضخم من 17.7%  في 1981 إلى 6.6% في 1982.

وفي عام 1983 كان اداء الإقتصاد الكوري جيداً حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 12%. وسجل إستقرارا جيدا في الاسعار، وانخفض مستوى التضحم بشكل مثير إلى أقل من 4% للسنوات الخمس التالية (حتى عام 1982). ولمواصلة سياسة استقرار الأسعار، تقدمت الحكومة بسلسلة من الإجراءات النقدية والمالية المشددة. وقد انخفض عجز ميزانية الحكومة كنسبة من الناتج القومي الإجمالي GNP من 4.7% في عام 1981 إلى 1.0% عام 1985

أثناء هذه الفترة، بدأت الحكومة بتشكيلة واسعة من السياسات الموجهة نحو تحرير السوق Market liberalization والمرتبطة مع برنامج استقرار الأسعار. وبسبب إدراكها لنتائج أخطاءها في سياستها الصناعية السابقة أثناء السبعينات، فقد تحولت الحكومة من إستراتيجية التدخل المباشر الى التدخل غير المباشر. وعجلت بتحرير الاستيراد، وخفضت كل سياسات القروض المدعومة، وأزيلت في النهاية وفقا لمتطلبات برنامج تحرير السوق المالية. كما خفضت وزارة المالية رقابتها الصارمة على إدارة البنوك التجارية.

Shift From Closed Protectionism To Openness And Competition

التحول من الحمائية المغلقة إلى الانفتاح والمنافسة الخارجية

هذه الإجراءات، التي اقترنت بتحسينات هامة في الاقتصاد العالمي، ساعدت الاقتصاد الكوري الجنوبي على ان يستعيد زخمه المفقود regain its lost momentum  في أواخر الثمانينات (1980s). فقد أحرزت كوريا الجنوبية نموا حقيقيا بمعدل 9.2% سنويا بين الأعوام 1982 1985، و 12.5% بين عامي 1986-1988م.

وفي عام 1986 سجل الحساب الجاري فائضاً بقيمة 4.3$ مليار دولار. ونتيجة للتحسن في الحسابات الجارية، فان مجمل الدين الخارجي قد انخفض بشكل تدريجي.

كما صدر قانون جديد في 1986 لتشجيع الاستثمار في قطاعات صناعية مختارة، كما هدف القانون المذكور آنفًا إلى دعم التنمية التقنية في القطاع الصناعي وتحسين الوضع التنافسي للصناعات الكورية دوليًا. ومع نهاية عقد الثمانينيات شكلت مساهمة الصناعات الثقيلة والكيميائية 53.6% من إجمالي الصادرات الكورية.

في أواخر الثمانينات، أصبحت السوق المحلية مصدراً متزايداً للنمو الاقتصادي. فقد زاد الطلب المحلي على السيارات والسلع المصنعة لأن المستهلكين الكوريين الجنوبيين، الذين كانت مدخراتهم مدعومة بالزيادات السنوية في الأجور منذ عام 1987م، والذين أصبح متوسط أجورهم في عام 1990م نحو 50% أكثر مما كان عليه في نهاية عام 1986م، أصبح لديهم لأول مرة المال الكافي لشراء سلع الرفاه luxury items، والتمتع بمنجزات الاقتصاد الكوري. 

وكانت النتيجة إعادة التوجيه التدريجي للاقتصاد الكوري، من الاعتماد الشديد على الصادرات إلى التأكيد الأكبر على تلبية حاجات البلاد التي كان عدد سكانها في ذلك الوقت نحو 43 مليون نسمة.

وقد أشارت التحولات في الطلب والعرض إلى أن إعادة الهيكلة الاقتصادية تأخذ مجراها، حيث أن الاستهلاك المحلي كان يزداد بينما كان ينخفض الطلب الخارجي. من جانب العرض، فان النمو الكبير في الخدمات كان يعكس طلب واحتياجات المواطنين إلى المزيد من السلع، وخصوصا من الواردات، وكذلك المزيد من الخدمات المتنوعة.

بحلول عام 1990م كان هناك مؤشراً على ان معدلات النمو العالية لعقد الثمانينات (1980s) سوف تتباطأ في أوائل التسعينات (1990s). ففي عام 1989م كان معدل النمو الحقيقي نحو 6.5%. ومن إحدى أسباب هذه التطور كان إعادة الهيكلة الاقتصادية التي بدأت في أواخر الثمانينات (1980s)، ومن ضمنها النمو البطيء لصناعات التصدير الرئيسية التي لم تعد قادرة على المنافسة في السوق العالمية (مثل صناعة الأحذية والجلود)، وأعلنت خطة اقتصادية جديدة تتضمن تطوير التكنولوجيا الصناعية وتعزيز التوسع في صناعة الالكترونيات والآلات والمعدات القادرة على المنافسة في السوق الدولية. وخلال الفترة من 1993-1999 تغير هيكل الصناعة الكورية بصورة كبيرة لصالح الصناعات الثقيلة والكيميائية التي زادت مساهمتها في القطاع الصناعي من 71.7% في 1993 إلى 77% في 1999، مقارنة بالصناعات الخفيفة التي انخفضت بالمقابل مساهمتها في الصناعة من 28.3% عام 1993 إلى 23% عام 1999.

تطور الوزن النسبي للصناعات الثقيلة والخفيفة في هيكل الصناعة التحويلية (وحدة القياس: %):

 نوع الصناعة

1980

1990

1993

1999

الصناعات الثقيلة

50

65

71.7

77

الصناعات الخفيفة

50

35

28.3

23

المجموع

100%

100%

100%

100%

واستجابة لتحديات العولمة وتطبيقات اتفاقات منظمة التجارة العالمية، قامت كوريا بإعادة تنظيم قطاعاتها الصناعية بما يتفق مع المعايير والمتطلبات الدولية.

5.     ألازمة المالية وسياسات الإصلاح في كوريا Financial Crisis & Policy Reforms in Korea  (1997-2003م)

تمهيد:

بالرغم من نجاح التصنيع الموجه للتصدير والذي حول كوريا إلى دولة صناعية حديثة، فان الضعف الهيكلي ظهر في عملية النمو المركز. هذه الضعف انكشف فجاة وبشكل خطر في نهاية عام 1997م، عندما عانى الاقتصاد الكوري من أزمة نقدية، وواجه صعوبات مالية حادة. ومن اجل معالجة الضعف الذي أدى إلى ألازمة النقدية كان على كوريا أن تجري إصلاح هيكلي شامل لاقتصادها.

قبل الأزمة المالية الآسيوية التي بدأت في شهر تشرين ثاني عام 1997، تمتع الاقتصاد الكوري بنمو عال، وبطالة منخفضة، وتضخم معتدل نسبياً. فمن ناحية الأرصدة الخارجية، كان هناك علامات تشير إلى وجود عدداً من المشاكل الخطيرة. كان أكثرها بروزاً الارتفاع السريع للعجز التجاري في التسعينيات، حيث وصل العجز التجاري إلى أكثر من 10 مليار دولار في عام 1995، وبلغ الذروة بأكثر من 20 مليار دولار في عام 1996م. ومع أن كوريا خفضت إجراءات تجارتها عبر الحدود بشكل كبير خلال عقد التسعينيات، فان معظم الزيادة في الواردات الكورية في عام 1995 و 1996م، يمكن أن تنسب إلى الزيادة السريعة في تدفقات رأس المال الأجنبي، التي عملت على زيادة قيمة العملة الكورية الـ "وون won".

وفي عام 1997م وقعت أزمة مالية شملت معظم دول شرق آسيا، ومن ضمنها دولة كوريا الجنوبية.

كان الدين السبب الرئيسي الذي جعل هذه الدول تعاني من أزمة مالية. لقد استمروا جميعاً في اقتراض الأموال لتعزيز صناعاتهم السريعة النمو. وكان الكثير من هذه القروض بالدولار الأمريكي، بسبب انخفاض سعر الفائدة على القروض بالدولار.

وحتى منتصف عام 1995م كان كل شيء على ما يرام، عندما بدأ الدولار الأمريكي بالارتفاع مقابل العملات الأخرى في العالم. وهذا يعني أن الصادرات الآسيوية من السلع والخدمات أصبحت أعلى ثمناً، وأقل تنافسية.

وبحلول شهر آذار عام 1997م كان واضحاً أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تفعله هذه البلدان هو تخفيض عملاتها مقابل الدولار الأمريكي. وتسبب هذا الإجراء في معاناة لكل الشركات التي حصلت على قروض بالدولار الأمريكي، لانه كان واضحا ان اغلبية الشركات لن تكون قادرة على سداد هذه القروض. وسبب هذا هبوطا حادا في سوق الأوراق المالية.

وكانت كوريا من الدول التي عانت كثيرا من ألازمة المالية، لان التكتلات الكبيرة اعتمدت كثيرا على هذه القروض الرخيصة الى حدٍ كبير. وكما ذكر اعلاه فان الحكومة شجعت التكتلات على اخذ هذه القروض الرخيصة من اجل التوسع في صناعاتها to take up these cheap loans in order to expand.

وهذا يعني ان بعض التكتلات الكبيرة قد افلست تقريبا عام 1997م. وكان من بينها مجموعة Group KIA، التي خضعت للرقابة الحكومية في شهر تموز عام 1997م.

وفي نهاية عام 1997، عانت كوريا من أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الكورية. فبينما رفض الدائنون الأجانب تجديد الاقتراض قصير الأمد للشركات والبنوك الكورية، وسحبوا ارصدتهم من كوريا، نفذت على اثر ذلك احتياطيات كوريا من النقد أجنبي بشكل سريع. ونتيجة لهروب رؤوس الأموال، انخفضت بسرعة قيمة العملة الكورية (الى اكثر من النصف) مقابل الدولار الامريكي. وفي شهر تشرين ثاني عام 1997م تقدمت الحكومة الكورية بالتماس الى صندوق النقد الدولي IMF للمساعدة. وافق صندوق النقد الدولي على عمل ترتيبات إحتياطية، لامداد كوريا بسرعة بالسيولة المطلوبة لسوق العملات الأجنبية فيها، ووقع اتفاقية لإقراض كوريا مبلغ 58 مليار دولار أمريكي.

كان هذا الوقت الذي عانت فيه كوريا اشد المعاناة من الازمة المالية، لكن كوريا مع ذلك لم تستلم سوى 19.5 مليار دولار من شهر كانون الاول 1997م الى شهر ايار 1999م.

وعندما وصلت الازمة ذروتها في شهر كانون الاول من عام 1997م لم تتجاوز احتياطات كوريا من العملات الاجنبية مبلغ الـ 8.87 مليار دولار. وأفلس العديد من التكلات الصناعية الكبرى - والتي تسمى Chaebols - أثناء تلك الأزمة.

ان حصول كوريا على قرض من صندوق النقد الدولي يعني ان تخضع برامج كوريا الاقتصادية للرقابة من قبل الصندوق الدولي، أي أن كل السياسات والإصلاحات الإقتصادية على مستوى الاقتصاد الكلي، يجب أن يصادق عليها من قبل IMF قبل تنفيذها.

منذ بداية الأزمة وفي معظم اشهر عام 1998، عانى الاقتصاد الكوري من كساد خطير في كافة النواحي. فقد هبط الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.7% في عام 1998. وارتفع معدل البطالة، ووصل الى 8.6% في شهر شباط عام 1999. وقد أثرت الأزمة على قطاعات الصناعة التحويلية، والبناء، والخدمات، وسببت هبوط الاستهلاك الخاص إلى حده الأدنى. ونتيجة لذلك، انخفض أيضا حجم التجارة الخارجية بشكل مثير.

في أواخر عام 1998، بدأ الاقتصاد الكوري بإظهار علامات التحسن، نتيجة لجهود الحكومة الكورية لاستقرار الاقتصاد. وبحلول عام الـ1999، أظهرت المؤشرات أن الاقتصاد عاد إلى مستوياته قبل الأزمة. فعلى سبيل المثال، إرتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 10.7 % في عام 1999، وهبط معدل البطالة إلى 4.8 % بحلول شهر كانون أول 1999، كما ارتفعت قيمة العملة الكورية مقابل الدولار وبقيت مستقرةً في حدود 1,200 won/دولار طوال الـ1999.

وقد تكبدت تجارة كوريا خسائر فادحة بسبب ألازمة الاقتصادية. ففي عام 1998، هبطت قيمة الصادرات الكورية بنسبة 2.8%. وعلى الرغم من الانخفاض الهائل في قيمة العملة الكورية، لم تزد صادرات كوريا بسبب الكساد الواسع الانتشار في الأسواق الآسيوية الأخرى، والتي عانت أيضا من ألازمة المالية التي المّت بالمنطقة. وكانت هذه الاسواق تشكل حصة كبيرة من صادرات كوريا الكلية. وانخفضت الواردات الكورية بحوالي الـ35.5%، متسببة في فائض تجاري هو الأعلى في تاريخ كوريا - 40 مليار دولار. واشار هذا الفائض الى وجود اقتصاد ضعيف بدلاً من اقتصاد قوي، لانه ناجم اصلا عن الانخفاض الكبير والمفاجئ في الواردات اكثر مما هو زيادة في الصادرات.

الاسباب الرئيسية للازمة المالية:

 لجأت المنشآت الكورية الى القروض المصرفية المحلية بدلا من الاعتماد في التمويل على حقوق الملكية (الاوراق المالية كالاسهم والسندات) من خلال طرحها في سوق راس المال (لان سوق الاسهم والسندات لم يكن متطورا في ذلك الوقت). ولما كان الادخار المحلي يعجز عن تمويل المعدلات المرتفع للاستثمار بسبب اقتحام العديد من الشركات ميدان صناعات التصدير وحاجتها الى موارد مالية كبيرة، توجهت هذه الشركات الى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية. ولقد ادى ذلك الى تحقيق الاقتصاد الكوري لمعدلات نمو مرتفعة خلال فترة وجيزة.

كان نتيجة سهولة الحصول على الائتمان المصرفي بشقيه المحلي والأجنبي ان دفع بالعديد من التكتلات الصناعية – المدعومة من الحكومة – الى التوسع في الاستثمار بمعدلات غير مسبوقة بهدف السيطرة على النصيب الاكبر من السوق ودون اعتبار للربحية، حيث كان النمو والسوق هو الهدف.

وتميزت منشآت الأعمال بارتفاع نسبة المديونية الى حقوق المساهمين (راس المال+الاحتياطات)، بالمقارنة مع العديد من الدول الأخرى المتقدمة او النامية. ووصلت نسبة الدين الى حقوق المساهمين الى 355%.

كما ان القطاع المالي لم يكن متطورا بسبب غياب المنافسة الدولية. وكان المصدر الرئيسي لضعف القطاع المالي هو الهيمنة الحكومية على قطاع البنوك وتدخلها في عمليات الائتمان المصرفي. فلم يؤدي القطاع المالي وظائفه الأساسية في الغربلة screening (استثناء غير المؤهلين للقروض) والرقابة monitoring على القروض الممنوحة للمشاريع، حيث ادت هذه الممارسات إلى المنح المفرط للقروض والاستثمار الزائد overinvestment من قبل مؤسسات القطاع الخاص.

فالقطاع المالي كان غير كفء وضعيف من حيث مهام الرقابة والتنظيم، كما ان الحكومة لم تنظم نسبة الدين-الى- الملكية debt-to-equity إلى المستوى الحقيقي.

ولم يكن لدى البنوك توازن بين موجوداتها والتزاماتها assets and liabilities. فكانت البنوك تقترض من الخارج قروض طويلة وقصيرة الاجل، وتعيد اقراضها الى الشركات المحلية. وكانت التكتلات تنوع وتوسع أعمالها الإنتاجية باللجوء الى زيادة رأسمالها عن طريق الاقتراض من البنوك وليس من خلال طرح الاسهم في أسواق الاوراق المالية Stock markets. وكانت الحكومة تضمن هذه التكتلات في حال الإفلاس او عدم القدرة على السداد، وكانت هذه التكتلات تقوم بالاستثمار في المشاريع ذات المخاطرة العالية. فافلاس شركة Hanbo Steel Co ومجموعة KIA لصناعة السيارات كانت حالات مفاجئة وغير متوقعة.

إن تحرير راس المال capital liberalization حفز حركة راس المال قصير الاجل، حيث ان راس المال قصير الأجل يبحث عادة عن العوائد العالية. وعندما حدثت ألازمة المالية في شهر تشرين الثاني من عام 1997م قام المستثمرون الأجانب وبشكل سريع بسحب اموالهم من كوريا، للتقليل الى الحد الأدنى من الخسائر، والمحافظة على السيولة النقدية. وقد ادى سحب رؤوس الاموال من قبل المستثمرين الاجانب الى تفاقم الازمة المالية وزادها خطورة بسبب انخفاض الاحتياطات من العملات الاجنبية في كوريا.

أبرزت الأزمة الاقتصادية ضعف هيكلي تحتي في اقتصاد كوريا الجنوبية. فإلارتباطات الوثيقة بين الحكومة، والبنوك، والتكتلات، شجعت على الاقتراض بشدّة من المؤسسات المالية المحلية لمساعدتهم في تمويل استثمارات ذات مخاطرة عالية High-risk investments. وكانت نتيجة ذلك ان تراكمت ديون كبيرة جدا على هذه التكتلات مما أدى إلى افلاسها وانهيارها. وقد أدى عدم الوفاء بالديون للبنوك الدائنة الى دمار القطاع المصرفي. في هذه الأثناء، هبطت قيمة العملة الوطنية الى أكثر من النصف في نهاية سنة 1997م، وارتفاع نسبة التضّخم والبطالة العمالية.

في كانون الأول من عام 1997م قبلت كوريا الجنوبية واحدة من أكبر برامج المساعدات التي رتبت مع صندوق النقد الدولي (IMF). وتطلّبت شروط برنامج المساعدات لكوريا الجنوبية السعي الحثيث للإصلاح الاقتصادي في البلاد، وتضمن ذلك إعادة هيكلة القطاع المالي والشركات. فقامت الحكومة الكورية بتحويل أصول وممتلكات حكومية إلى القطاع الخاص، وفتح السوق المحلية إلى المنافسة الأجنبية من خلال إزالة القيود، وان تقوم التكتلات Chaebol بتخفيض نسبة الدين الى الملكية debt-to-equity ratios.

ومنذ بداية الأزمة وفي معظم اشهر عام 1998م، عانى الاقتصاد الكوري من كساد خطير في كافة النواحي. فقد هبط الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.7% في عام 1998. وارتفع معدل البطالة، ووصل إلى 8.6% في شهر شباط عام 1999. في ذروة الأزمة، أُستنفذت احتياطات كوريا من النقد ألأجنبي، وهبطت بشكل خطير ووصلت إلى 3.9 مليار دولار فقط. أثرت الأزمة على قطاعات الصناعة التحويلية، والبناء، والخدمات، وتسببت في هبوط الاستهلاك الخاص إلى حده الأدنى. ونتيجة لذلك، انخفض أيضا حجم التجارة الخارجية بشكل مثير.

إصلاح القطاع المالي:

قامت الحكومة بتنفيذ برنامجان إصلاحيان هدفت إلى إعادة هيكلة القطاع المالي وقطاع الشركات في نفس الوقت. وكان برنامج القطاع المالي قد صمم لتحقيق متطلبات كفاية راس المال في القطاع المالي.

في المرحلة الأولى بعد ألازمة عام 1997م قامت الحكومة بما يلي:

- اعادة هيكلة القطاع المالي

- الرقابة الحكومية الصارمة على أعمال البنوك

- تحرير وزيادة أسواق راس المال

- تخفيض إعداد البنوك من 33 الى 22 من خلال الدمج او التأميم او الإغلاق.

وفي المرحلة الثانية في أواخر عام 2000م ومع إنشاء الشركات المالية القابضة financial holding companies، قامت الحكومة بضخ 40 تريليون "ون won" في قطاع البنوك. وشجعت الحكومة كذلك الاندماج بين البنوك ذات الأداء الجيد لزيادة حجمها وتقوية قدرتها التنافسية، مثل Hanbit Bank  و Kookmin Bank.

التعديل الهيكلي  لقطاع المنشات:

بدا برنامج الاصلاح في قطاع الشركات خلال فترة قصيرة بعد الازمة المالية، وركز البرنامج على ثلاثة اوجه:

-        تحسين الشفافية في الإدارة وفي هيكل إدارة الشركة

-        السماح للمؤسسات المالية ان يكون لها الدور الريادي في اعادة هيكلة قطاع الشركات

-        اعادة هيكلة التكتلات conglomerates (Chaebols)

ومن اجل تنفيذ التعديل الهيكلي في الشركات، شجعت الحكومة الشركات العملاقة لتبادل بعض الصناعات فيما بينها، بحيث أنها تتخصص في الصناعات التي تحقق فيها الكفاءة والتنافسية.

وتقوم الحكومة حاليا بتشجيع الشركات على تخفيض "نسبة الدين إلى الملكية debt-to-equity ratio" وتسهيل عمليات الاندماج فيما بينها. ويطلب من الشركات العملاقة بان تقدم تقارير مالية للجهات الحكومية، كما أن الحكومة حاولت  تعزيز الشفافية والمحاسبية لإداراتها transparency and accountability.

كما تعززت الرقابة على الائتمان المصرفي، وتم إجبار الشركات المدينة للمصارف على الإغلاق في عام 2000م. كما قامت الحكومة بوضع خطط خاصة لـ 52 شركة كانت على حافة الإفلاس.

تكاليف التعديل الهيكلي ودور الحكومة:

وصلت تكاليف التعديل إلى مبالغ طائلة، مولت جزئيا من قبل الشركات الضخمة وقطاع البنوك على التوالي. لكن لم تكن كافية لحل مشاكل التعديل. لهذا السبب، قامت الحكومة بتغطية المبالغ المطلوبة من خلال القرض العام عن طريق إصدار السندات الحكومية، وبيع المنشآت العامة (ذات الملكية العامة).

دمج الشركات المحلية والمؤسسات المالية:

منذ حدوث الازمة المالية عام 1997م استولى المستثمرون الأجانب على العديد من الشركات المحلية والمؤسسات المالية باسعار زهيدة، من خلال شراء أسهم هذه الشركات التي هبطت قيمها الى مستويات متدنية جدا. فعلى سبيل المثال، استولت شركة رينو Renault على شركة سامسونغ للسيارات Samsung Automobile، وجنرال موتورز General Motors Co. على شركة دايو Daewoo Automobile، ونيوبريدج كابتالNewbridge Capita  على تشيل بنك Cheil Bank، وشركة Shanghai Automobile على شركة Ssangyong Automobile ... الخ.

وبعد ان هدأت الازمة، وبدأت أوضاع هذه الشركات بالاستقرار، ارتفعت نتيجة لذلك اسهم هذه الشركات، وقام المستثمرون الأجانب باعادة بيع اسهم هذه الشركات بأسعار عالية، وحققوا بذلك ارباحا طائلة.

وفي أواخر عام 1998، بدأ الاقتصاد الكوري بإظهار علامات ايجابية على التحسن، نتيجة لجهود الحكومة الكورية الحثيثة لاستقرار الاقتصاد. وبحلول عام الـ1999، أظهرت المؤشرات بأن الاقتصاد عاد إلى مستوياته قبل الأزمة. على سبيل المثال، إرتفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 10.7 % في عام 1999، وهبط معدل البطالة إلى 4.8 % بحلول شهر كانون أول 1999، وارتفعت قيمة العملة الكورية مقابل الدولار وبقيت مستقرةً في حدود 1,200 won لكل دولار طوال عام 1999. وسجل حساب كوريا الجاري فائضاً بقيمة 40 مليار دولار في عام 1998م، و 25.2 مليار دولار عام 1999.

والاهم من ذلك كله انه بحلول منتصف عام 2001م استطاعت كوريا الجنوبية اعادة دفع كلّ القروض الطارئة التي حصلت عليها من صندوق النقد الدولي، وبذلك تحررت من كل القيود التي فرضها عليها صندوق النقد الدولي مقابل منحها تلك القروض.

ووصل الناتج القومي الإجمالي الى 422.2$ مليار دولار عام 2001م، وارتفع الى 967 مليار عام 2010م!!

الخلاصة:

لقد تبنت كوريا في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي سياسة صناعية تضمنت التدخل الكبير للحكومة لتشجيع احلال الواردات وتنشيط الصادرات بشكل عام، وبعض الصناعات بشكل خاص. هذه السياسات الصناعية كانت فعالة وعملت بشكل جيد.

وفي بداية الثمانينات 1980s شعر الكثير من الاقتصاديين الكوريين ان السياسة الصناعية الحكومية كانت تسبب تشوهات واختلالات اقتصادية economic distortions، وان تحرك الدولة نحو نظام السوق يواجه صعوبة بسبب الوعود التي قطعتها الدولة على نفسها للشركات الخاصة بتقديم الاعانات وكافة اشكال الدعم والمساندة لها.

في سنوات التسعينات s1990 ادت السياسة الصناعية للدولة الى التدخل بشكل اكبر في اقتصاد السوق بهدف بناء صناعات ذات قدرة تنافسية عالية. وكان نتيجة هذه السياسة الصناعية في تلك الحقبة ان اسست شركات مثل Hanbo Steel Company، التي ساهم افلاسها الى تورط كوريا بشكل كبير في الازمة المالية في شرق اسيا عام 1997م.

وبين عامي 1998-2000م قامت الحكومة برئاسة Kim Dae Jung ببذل قصارى جهدها لتجنب تدخل الحكومة في اقتصاد السوق والتوقف عن دعم ومساندة بعض الشركات والصناعات. وكان الهدف من ذلك هو تجنب الوقوع في ازمة مالية اخرى، تتسبب عن انهيار الشركات القديمة التي تعتمد كثيراً على الدعم الحكومي المقدم لها.

لقد حصل تغير في السياسات الصناعية خلال فترة الثمانينات والتسعينات، من سياسة التدخل الحكومي والدعم الانتقائي الى سياسة التحرير الاقتصادي liberalization Strategy وعدم التدخل. ومن الاسباب التي ادت الى هذا التغير في السياسات هو النمو المتسارع في حجم الاقتصاد الكوري، الى جانب التغيرات والمستجدات الصناعية والتكنولوجية المتسارعة، بالاضافة الى ان سياسة الدعم الاقتصادي لبعض الصناعات ادت الى التوزيع غير الفعال للموارد الاقتصادية، وتشويه النظام المصرفي، وكذلك تمركز القوى الاقتصادية في مجموعة من الصناعات على حساب الصناعات الاخرى. ومن الاصلاحات التي قامت بها الحكومة خلال هذه المرحلة هي كما يلي:

1.  التخلي عن سياسة الدعم الانتقائي لبعض الصناعات، كما تم تعديل القوانين والانظمة التي اعطت هذه الصناعات نوعا من الوضع الامتيازي

2.     الغاء امتياز القروض المكفولة باسعار فائدة متدنية التي اعطيت للصناعات الاستراتيجية

3.  منح الحوافز لكافة الصناعات دون تمييز وخاصة في مجالات البحث والتطوير R&D، ترشيد الطاقة، المحافظة على البيئة ... وغيرها.

4.     استقطاب الاستثمارات الاجنبية المباشرة FDI، والاستثمارات المشتركة Joint-venture.

5.     تحرير الواردات وتخفيض نسبة الجمارك عليها.  

وهذه السياسات تتوافق مع متطلبات منظمة التجارة العالمية، والتي كوريا عضواً فيها.

ومهما يكن، فان الحكومة الكورية لعبت دور المحرك الرئيسي في عملية التنمية الاقتصادية، من خلال تحديد شكل واتجاه اقتصادها، وانتهجت الأساليب الحمائية العديدة لغرض حماية الصناعة المحلية، وتوفير البيئة المناسبة لنموها وتطويرها. وبذلك يمكن تسميتها "سياسة التدخل الكلاسيكية الجديدةNeoclassical Interventionism "، حيث ان السياسات التي تم تبنيها تستند الى مبادئ النظرية الكلاسيكية الجديدة، مع الاعتماد بشكل اكبر على الحوافز ونظام السوق. وكانت سياسات التنمية تهدف الى تصحيح الانحرافات في مسار التنمية والى تسهيل عمل نظام السوق.

لقد نجحت كوريا الجنوبية وفي اقل من ثلاثة عقود – 26 عام – في التحول من دولة ضعيفة وفقيرة الى دولة صناعية متقدمة, وتوسعت فيها فرص العمل, وتدفق الناس على مدنها الكبرى, وأنفقت كثيرًا من الاستثمارات في مجال الصحة والتعليم, وزادت

 دخول الكوريين، وأصبح في مقدورهم ادخار حوالي 35% من صافي دخولهم، وهي أعلى نسبة ادخار في العالم. وفعل الرئيس Park ورجاله ما كان يجب عليهم فعله، من أجل إزالة عوائق التقدم. فعندما عانت البلاد من قلة العملات الصعبة, كان هناك الإصرار على زيادة التصدير. وفي مواجهة قلة الموارد الطبيعية تم التركيز على الصناعة, وعندما تغير نمط المنافسة حول العالم تغيرت المنتجات الكورية أيضًا, وتم التحوّل من صناعة السفن والمنسوجات إلى صناعة الإلكترونيات والسيارات.

***


       

samirsous@hotmail.com

       

سمير زهير ألصوص

قلقيلية - فلسطين

*****

***

*