قلقيلية بين الأمس واليوم

 
 
www.myqalqilia.com
 
     
 

 

- المقدمة - تجربة كوريا في التنمية الاقتصادية

-  التصنيع الكوري وتنمية الموارد البشرية

-  العوامل الايجابية التي ساهمت في تحقيق التنمية الاقتصادية في كوريا الجنوبية.

-  إستراتيجية التنمية الاقتصادية الكورية وانجازاتها

-  السياسة الزراعية وتنمية الريف في كوريا الجنوبية

-  كوريا الجنوبية.. عروس آسيا

- اقتصاد السوق والإطار المؤسسي للتنمية

-  استراتيجيات الترويج للصادرات، والسياسة التجارية، والاستثمار الأجنبي في كوريا الجنوبية

- تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية - PDF

- التنمية الصناعية والمنشآت الصغيرة والمتوسطة في كوريا

-  دور الحكومة في التنمية الاقتصادية

 

 

 

قلقيلية بين الأمس واليوم

برامج تحسين الإنتاجية

مصطلحات الاقتصاد والمال  والأعمال

Qalqilia - Past & Present

Productivity Improvement Programs

Econ, Financial & Business Terms

 

***

Economy Growth by Science and

Technology In CHINA

 

***

تجربة كوريا الجنوبية في التنمية الاقتصادية

South Korea's Experience in Economic Development

 

Economic Development & Market Economy

For   Middle East &  African Countries

التنمية الاقتصادية واقتصاد السوق لدول الشرق الأوسط وأفريقيا

Seoul – Korea

2005

 

برعاية:

Sponsored By:

الوكالة الكورية للتعاون الدولي

Korea International Cooperation Agency

 

بالتعاون مع:

In Cooperation With:

معهد إستراتيجية التنمية

Institute for Development Strategy

KOICA - KDS - ICTC

* * *

The Role of Government in Economic Development

دور الحكومة في التنمية الاقتصادية

***

في شهر ايار من عام 1961م أطاح الجنرال بارك تشونغ هيه   Park Chung Hee  برئيس الدولة المنتخب "يون بو- صن Yun Po-sun". أراد الجنرال Park "بدافع حبه للوطن" تحويل كوريا الجنوبية من بلد زراعي متخلف الى دولة صناعية حديثة، التي توفر العيش الكريم لمواطنيها، بينما تكون قادرة في نفس الوقت على الدفاع عن نفسها ضد أي عدوان خارجي. 

وقد استفادت حكومة بارك من قرار إدارة سينجمان ريه Syngman Rhee باستخدام المساعدات الخارجية، وخاصة من الولايات المتحدة في فترة الخمسينات (1950s) لإقامة البنية التحتية Infrastructure، والتي تضمنت شبكة من المدارس الأساسية والثانوية وبعض المراكز المهنية، وكذلك الطرق والجسور وشبكة الاتصالات الحديثة. وكانت النتيجة انه بحلول عام 1961م، أصبح لدى كوريا الجنوبية قوة عاملة شابة حسنة التعليم وبنية تحتية حديثة، وهي التي وفرت للرئيس بارك Park قاعدة صلبة للنمو الاقتصادي.

قررت إدارة الرئيس Park بأن الحكومة المركزية يجب أن تلعب الدور الرئيسي في عملية التنمية الاقتصادية لأنه لا توجد أي مؤسسة كورية جنوبية أخرى لديها القدرة أو الموارد لقيادة مثل هذا التغيير القوي في مدة قصيرة. وشمل النظام الاقتصادي الناشئ عناصر من كل من رأسمالية الدولة والاقتصاد الحر State capitalism and free enterprise، وتهيمن على الاقتصاد مجموعة من التكتلات الخاصة الكبيرة والتي تسمي Chaebol، والعاملة في مجالات – صناعة الحديد والفولاذ، الاتصالات، الاسمدة، المواد الكيمياوية، وصناعات ثقيلة أخرى. ووجهت الحكومة الصناعات في القطاع الخاص من خلال تحقيق اهداف الإنتاج والتصدير المتتالية، واستخدام الرقابة على الإئتمان، واستخدام وسائل غير رسمية من الضغط والإقناع، والسياسات النقدية والمالية.

كانت الحكومة تأمل ان تستغل كل ما هو متوفر من التكنولوجية لتصبح قادرة على المنافسة في المجالات التي حققت الدول الصناعية فيها نجاحاً. وإفترضت الحكومة أن القوة العاملة الحسنة التعليم والمحفزة جداً يمكن ان تنتج سلعا رخيصة وذات جودة عالية، والتي يمكن ان تجد اسواقا جاهزة في الولايات المتحدة الامريكية، وفي بقية دول العالم الصناعي، بينما تستخدم الأرباح التي تتولد من بيع الصادرات لتوسيع الاستثمار، وتوفير وظائف جديدة، وفي النهاية سداد القروض.

في عام 1961م امتدت سيطرة حكومة Park على الأعمال من خلال تأميم البنوك ودمج الحركات التعاونية الزراعية بالبنك الزراعي. وبعد بسط سيطرة الحكومة المباشرة على كل مؤسسات الائتمان، امتدت كذلك سيطرة بارك على مجتمعات الأعمال. فمنذ الأيام الأولى للانقلاب قام حلف غير معلن بين العسكريين ورجال الأعمال, فقد قربهم بارك منه منذ اليوم الأول. واهتم بالصناعات القائمة, وكانت بعض منها من بقايا صناعة (التجميع) التي أنشأتها العائلات اليابانية أثناء الاحتلال. ولكن بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان اضطرت هذه الشركات الى بيع أصولها إلى الكوريين. وبعض المؤسسات الشهيرة الآن مثل سامسونغ Samsong كانت مصانع تجميع لسانيو Sanyo, وكذلك الأمر بالنسبة لـ "LG" التي كانت تسمى سابقا جولد ستار Gold Star.

لكن الزعماء العسكريين كانوا لا يتمتعون الا بالقليل من الخبرات السياسية والإدارية، كما كانوا يفتقرون إلى برنامج تطويري للبلاد، بحيث اتجهوا فيما بعد إلى كبار الاقتصاديين والمخططين للمساعدة. وتم تأسيس مجلس التخطيط الاقتصادي Economic Planning Board في عام 1961م، ووضع برنامج للتصنيع السريع اعتمادا على إحلال الواردات وتشجيع الصادرات.

وشجعت سياسات Park رواد الأعمال في القطاع الخاص، الذين أعطوا حوافز قوية للتصدير، ومن ضمنها المعاملة التفضيلية في الحصول على القروض المصرفية المنخفضة الفائدة، وإمتيازات في الاستيراد، والسماح بالاقتراض من المصادر الأجنبية، وإعفاءات ضريبية واعانات مالية. وقد تطورت بعض منشآت الأعمال وأصبحت تعرف فيما بعد بالـ Chaebol. واصبح مجلس التخطيط الاقتصادي المركز العصبي لخطة Park لتشجيع وتعزيز التنمية الاقتصادية. وكان يترأس الهيئة نائب رئيس الوزراء، مجهزاً بطاقم من الموظفين المعروفين بقدراتهم العالية وخلفيتهم التعليمية في الأعمال والاقتصاد. وفي بداية الستينات (1960s)، خصصت الهيئة الموارد، ووجهت تدفق الائتمان، وصاغت كل خطط كوريا الجنوبية الاقتصادية. وفي أواخر الثمانينات (1980s)، أعيدت سلطة تخصيص المصادر والائتمان إلى الوزارات ذات العلاقة. وفي عام 1990 اقتصرت مهام مجلس التخطيط الاقتصادي في المقام الأول على التخطيط، وغالبا ما كانت تنسق وتوجه الوظائف الاقتصادية للوزارات ألأخرى، ومن ضمنها وزارة المالية.

ومن الاطراف الحكومية ذات العلاقة بتوجيه الاقتصاد كان مكتب الرئيس – الذي كان ممثلاً بالسكرتير الأعلى للشؤون الاقتصادية - وزارة المالية، وزارة التجارة والصناعة، وزارة العمل، ومصرف كوريا - الذي كان تحت سيطرة وزارة المالية.

وقد تم تخفيض قيمة العملة بشكل كبير في عامي 1961 و 1964م، وتم تشجيع الادخار الخاص من خلال رفع أسعار الفائدة، وتم الاقتراض من الخارج. كما تم تشجيع الصادرات من خلال الإعانات المالية المباشرة، وازيلت القيود عن الاستيراد والغيت الضرائب على الواردات من المواد الأولية والسلع الوسيطة، التي كانت تستخدم لإنتاج سلع التصدير. فقد كانت الصناعات التصديرية – مثل المنسوجات والألبسة والمكائن والأجهزة الكهربائية - راكدة بسبب قلة المواد الأولية المستوردة. وقد أدت هذه السياسات الى نتائج فورية ايجابية.

تطلبت هذه البرامج التطويرية كميات هائلة من رأسمال. وبعد ان استقر مستوى المساعدات الأمريكية لكوريا اتجه نظام بارك Park إلى "الدبلوماسية المالية" مع البلدان الأخرى. وكان لتطبيع العلاقات مع اليابان في عام 1965م اثر جيد في جلب أموال يابانية على شكل قروض ومساعدات اقتصادية، حيث تلقت كوريا في ذلك العام مساعدات بقيمة 800 مليون دولار. كما قام الرئيس بارك Park بزيارة رسمية إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية عام 1964 وقدمت لكوريا مساعدات حكومية ومنحت القروض التجارية. وقد ساعد المستوى المتزايد للصادرات في رفع أهلية كوريا للاقتراض من السوق الدولية. ويعود الفضل في زيادة وتائر التصدير لكوريا الجنوبية الى توفر العمالة المتعلمة، والسوق الخارجي، والظروف الدولية المواتية.

كان الهدف الرئيسي للرئيس بارك - والذي كان ناجحاً من بدايته - هو ان يؤسس إقتصاد صناعي متين معتمداً على النفس، ومستقلاً عن الموجات الهائلة من المساعدات الأمريكية التي أبقت كوريا الجنوبية هائمة على وجهها أثناء سنوات حكم Rhee. وكان تحديث الاقتصاد والمحافظة على نمو كلي مستديم من الأهداف إلاضافية في السبعينات (1970s). وقد تضمنت السياسات الاقتصادية الهامة، تقوية الصناعات الرئيسية، زيادة التوظيف، وتطوير أنظمة أكثر فعالية للإدارة. ولأن كوريا الجنوبية كانت معتمدة على الواردات من المواد الأولية، مثل النفط, فكان هدف الحكومة الرئيسي أن يزيد مستوى الصادرات بشكل ملحوظ (لتغطية الواردات)، والذي يعني الضغط باتجاه جعل المنتجات الكورية ذات إنتاجية أعلى وقدرة اكبر على المنافسة الدولية. وأكدت الخطط الاقتصادية الأولى على تطوير الزراعة والبنية التحتية، تبعتها خطط وبرامج لتطوير الصناعات الخفيفة، وإلالكترونيات، والصناعات الثقيلة والكيماوية. وقد أدى تنفيذ هذه الإستراتيجيات، إلى تصدير صناعات متطورة.

لقد جمعت الحكومة بين سياسة إحلال المنتجات المحلية محل الواردات مع سياسة التصدير الموجه.

The government combined a policy of import substitution with the export led approach

فقد اختار مخططو السياسة الاقتصادية مجموعة من الصناعات الإستراتيجية لدعم التصدير، ومن ضمنها الإلكترونيات، بناء السفن، وصناعة السيارات. وترعرعت الصناعات الجديدة من خلال جعل استيراد مثل هذه السلع صعباً للغاية. وعندما استطاعت الصناعة الجديدة ان تقف على قدميها، عملت الحكومة على خلق ظروف جيدة للتصدير. فمنحت حوافز للصادرات تضمنت تخفيض ضرائب الدخل لشركات التصدير، إعفاءات جمركية على المواد الأولية المستوردة لإنتاج التصدير، وبدل اهتلاك الآلات والمعدات.

بدأ برنامج التصدير الموجه في اواسط الستينات (mid-1960s)، وفي اواسط السبعينات (mid-1970s) اصبح لدى كوريا الاقتصاد الأكثر إنتاجيةً في العالم The world's most productive economy . فقد كان معدل نمو الإنتاج الصناعي السنوي حوالي 25%، وكان هناك زيادة بحوالي خمسة أضعاف في الناتج القومي الإجمالي GNP من 1965 إلى 1978. وزادت الصادرات في منتصف السبعينات (mid-1970s) بمعدل 45% سنوياً.

السياسات الصناعية :Industrial Policies

القضية الرئيسية التي واجهت نظام بارك Park في أوائل الستينات (1960s) كانت الفقر المدقع للشعب الكوري، والحاجة الماسة إلى السياسات الإقتصادية للتغلب على مشكلة الفقر في البلاد. وكانت المشكلة الحاسمة هي كيفية توفير الأموال اللازمة لتبني سياسة التنمية الصناعية المطلوبة. كان الادخار المحلي منخفض جداً، وكان هناك رأسمال محلي قليل. هذه العقبة تغلبت عليها كوريا من خلال الحصول على القروض الخارجية وعمل أسعار الفائدة المحلية جذابة، بحيث أغرت رأس المال المحلي بالدخول الى الإنتاج. لقد بنت كوريا اقتصادها من خلال الديون الأجنبية، والتي وصلت عام 1985 الى 46.8$ مليار دولار أمريكي، بحيث جعلها رابع اكبر دولة مدينة في العالم. أما استثمارات الشركات الأجنبية في كوريا فكانت في المقام الأول من اصل ياباني.

لقد أدارت حكومة كوريا سلسلة من خطط التنمية الإقتصادية، وعبأت الحكومة الرأسمال المحلي من خلال تشجيع الادخار، وتقرير أنواع الصناعات التي يمكن أن تنشأ بهذه الأموال، وفحص إمكانية المنتجات للتصدير. بهذا المعنى، فان توجيه الحكومة لدفة التنمية الإقتصادية لعب دوراً حاسماً في انجاح التجربة الكورية. 

وكانت الحكومة تعمل على إعادة هيكلة الصناعة، لتحفيز المنافسة احيانا، او لتقييدها احيانا اخرى. وعلى اثر النجاح النسبي لسياسة الدولة التنموية في سنوات السبعينات قامت الدولة بتغيير سياستها، اذ كان من شأن النمو الاقتصادي الذي دفعته الدولة ان ادى الى ظهور بعض الاختلالات على مستوى الاقتصاد الكلي، كما ان ارتفاع أسعار البترول وما تبعه من انكماش اقتصادي، ومشاكل في ميزان المدفوعات، دفع الدولة الى التخفيف من الاجراءات التدخلية، مثل الدعم الخاص والتخفيض الضريبي الذي استفاد منه القطاع الخاص. وقامت الدولة بتنفيذ برنامجا للاستقرار والاقتصادي. ففي عام 1985م اتخذت الحكومة الخطوات التالية:

-        قامت الدولة بتخفيض نفقاتها والغت بعض الاستثمارات

-         حثت الدولة المؤسسات على تخفيض طاقاتها الانتاجية والتخصص الانتاجي

-        قلَّصت من تمويل الصادرات

-        تقليص القروض لقطاع الصناعات الثقيلة والكيماوية

الخطط الاقتصادية Economic Plans:

بدأت مسيرة التنمية في كوريا بتدشين اول خطة للتنمية عام 1962م، بعد مرور عام واحد فقط على تولي الجنرال بارك تشونغ هي Park Chung Hee مقاليد السلطة من خلال انقلاب عسكري. وقررت السلطة العسكرية الحاكمة ان آنذاك ان يكون للدولة دورا نشيطا في عملية التنمية، وفي هذه الفترة كانت التنمية هي الشغل الشاغل للمواطنين على اثر المعاناة من الجوع والحرمان بسبب الحرب الكورية، كما اعتبرت التنمية بمثابة الدرع الواقي من الخطر القائم في الشمال، ولذا لم تمض الا فترة وجيزة على الانقلاب، حتى تم استحداث هيئات ومؤسسات جديدة لقيادة مسيرة التنمية ابرزها كان مجلس التخطيط الاقتصادي Economic Planning Board الذي اوكلت اليه مهمة ادارة وتخطيط بناء الاقتصاد الوطني، كما تم تكليفه بمهمة الاشراف والتنسيق بين الوزارات التي تلعب دورا في الحياة الاقتصادية.

قامت حكومة بارك بتأميم كل البنوك التجارية في نهاية عام 1962م. وبهذا استطاعت الدولة تخصيص وتوجيه الموارد المالية الى منشآت الصناعة التحويلية بصورة مباشرة. كذلك تم انشاء بنوك متخصصة لغرض التمويل الانتقائي لبعض المنشآت والمؤسسات الصناعية.

وكانت البرامج الإقتصادية مرتكزة الى سلسلة متتالية من خطط التنمية الخمسية التي بدأت عام 1962م، ويمكن اجازها كما يلي:

1.  خطة التنمية الإقتصادية الاولى (1962-66): شملت الخطوات الأولية نحو بناء هيكل صناعي مكتفٍ ذاتياً، الذي لا يكون موجهاً للاستهلاك. لقد تم التأكيد على إقامة بعض الصناعات الضرورية مثل كهربة البلاد، صناعة الأسمدة، وتكرير النفط، وألالياف الصناعية، وإنتاج الاسمنت.

2.  خطة التنمية الاقتصادية الثانية (1967- 71): اكدت على تحديث الهيكل الصناعي، وتبني صناعات إحلال الواردات بسرعة، ومن ضمن ذلك صناعة الفولاذ، والمكائن، والصناعات كيماوية.

3.  خطة التنمية الاقتصادية الثالثة (1972-76): حققت تقدماً سريعاً في بناء تركيب التصدير الموجه building an export-oriented structure بتشجيع الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية. وقد منحت بعض الصناعات عناية خاصة، مثل الحديد والفولاذ، واليات النقل، وإلالكترونيات البيتية، بناء السفن، والصناعات البتروكيماوية. وطلب اصحاب الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية امداد الصناعات الجديدة بالمواد الأولية والسلع الإنتاجية وتخفيض أو الغاء الإعتماد حتى على الرأس المال الأجنبي. وتم اقامة الصناعات المهمة في الجزء الجنوبي لشبه الجزيرة، بعيداً عن الحدود مع كوريا الشمالية، وبذلك تم تشجيع التنمية الاقتصادية والتصنيع خارج منطقة الحكومة وتوفير فرص عمل جديدة لسكان المناطق الأقل تقدماً.

4.  خطة التنمية الاقتصادية الرابعة (1977-81): عززت تطوير تصاميم الصناعات لتكون قادرة على المنافسة بشكل فعال في أسواق التصدير الصناعية العالمية. هذه الصناعات الإستراتيجية الرئيسية شملت صناعات كثيفة التكنولوجية وكثيفة العمالة الماهرة technology-intensive and skilled labor-intensive industries، بناء المكائن، وصناعة إلالكترونيات، وبناء السفن. كما شددت الخطة على الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية، مثل الحديد والفولاذ، والمعادن اللاحديدية، والصناعات البتروكيماوية.

وكان نتيجة ذلك، أن الصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية نمت بشكل مثير ووصلت إلى نسبة 51.8% من اجمالي انتاج الصناعة التحويلية في عام 1981، وزادت صادراتها إلى 45.3% من الناتج الكلي في نفس العام. ويمكن أن تعزى هذه التطورات إلى الانعطاف الجيد في تصدير صناعات الحديد والفولاذ، وبناء السفن. والذي حدث هو أنه اصبح بالامكان تصنيع المنتجات الرخيصة العالية الجودة في كوريا الجنوبية. 

وقد تضاعفت الاستثمارات في توليد الطاقة الكهربائية، وصناعة مكائن متكاملة، محركات الديزل، ومعدات البناء الثقيلة. وأظهرت الزيادة بشكل واضح أن الصناعات إستفادت من برامج المساعدات المالية السخية للحكومة.

شهدت أواخر السبعينات كساد عالمي، بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وارتفاع معدلات التضخم. وأصبح الهيكل الصناعي لكوريا الجنوبية غير متوازن بعض الشيء، وعانى الاقتصاد من التضخم الحاد بسبب الاستثمار المبالغ في الصناعة الثقيلة في وقت كان العديد من الزبائن المحتملين غير قادرين على أن يشتروا منتجات الصناعات الثقيلة.

5.  أرادت خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الخامسة (1982-86) نقل التركيز بعيداً عن الصناعات الثقيلة والكيماوية، والتحول إلى صناعات التكنولوجية الكثيفة technology-intensive industries، مثل الآلآت الدقيقة precision machinery ، إلالكترونيات ( مثل اجهزة التلفاز، والفيديو، والراديوهات والمسجلات، والمنتجات ذات العلاقة باشباه الموصلات semiconductor-related products)، وتقنيات المعلومات. وتم التركيز على تكريس عناية أكثر لبناء منتجات ذات التقنية المتطورة high-technology products التي عليها طلب كبير في السوق العالمية.

6.  أما الخطة الخمسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية السادسة (1987-91) فقد واصلت التأكيد وبصورة كبيرة على أهداف الخطة السابقة. وقد عزمت الحكومة على تعجيل تحرير الاستيراد import liberalization وإزالة مختلف انواع القيود والعوائق الجمركية على الاستيراد. 

سعت كوريا الى تعجيل تطوير العلم والتكنولوجيا من خلال رفع نسبة إلاستثمار في البحث والتطوير (R&D) من 2.4% من الناتج القومي الإجماليGNP إلى أكثر من 3% بحلول عام 1991.

7.  اما هدف الخطة الخمسية السابعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية (1992-96)، والتي صيغت عام1989م، فكان تطوير حقول التقنية المتطورة high-technology fields، مثل الألكترونيات الدقيقة microelectronics، مواد جديدة، مواد كيماوية fine chemicals, الهندسة الحيوية bioengineering، البصريات optics، والفضاء aerospace. (انظر الجداول الملحقة)

دور الشركات الخاصة Role of Private Companies:

خلال الفترة الاستعمارية اليابانية كان القليل جداً من الكوريين الذين إمتلكوا أو أداروا شركات كبيرة. بعد مغادرة اليابانيين عام 1945م وانتهاء الحرب الكورية عام 1953، أصبحت المساعدات المالية الخارجية اكثر المصادر اهمية لإعادة بناء وتأهيل الإقتصاد الكوري الجنوبي. وقد ترك اليابانيين بعض المنشآت الصناعية Japanese built industrial plant في كوريا بعد انسحابهم منها، وقامت الحكومة ببيع أصول بعض هذه الشركات الى رجال الأعمال الكوريين، وكان البعض منها عبارة عن شركات تجميعية، والتي نما وتطور عددا منها وأصبحت تعرف في سنوات التسعينيات (1990s) بالتكتلات الصناعية – Chaebol. كان لهذه الشركات، بالإضافة إلى بعض الشركات الأخرى التي شكلت في أواخر الأربعينات وأوائل الخمسينات ارتباطات وثيقة بنظام Syngman Rhee – أول رئيس لجمهورية كوريا الجنوبية. كما تساهل الرئيس Rhee مع بعض رجال الأعمال والشركات بالعقود الحكومية مقابل دعمهم المالي لمساعيه السياسية. وقد دام حكمه 12 عاماً (1948- 1960م)، عندما اضطر الى الاستقالة في شهر نيسان من عام 1960 تحت الضغط الشعبي، بسبب التلاعب في الانتخابات التي جرت في نفس العام. وتم انتخاب "يون بو- صن Yun Po-Sun "، الذي دام حكمه عاما واحدا فقط عندما استولى الجيش على السلطة بزعامة الجنرال بارك Park، والذي يعود له الفضل في نجاح برامج التنمية الصناعية في كوريا.

تكوين التكتلات الصناعية الـ Chaebol:

لم تبدأ برامج كوريا الجنوبية الصناعية الرئيسية حتى سيطر الجيش على الحكومة في 1961م، وأعلن الزعماء العسكريون بأنهم سيستأصلون الفساد الذي أصاب إدارة Rhee ويقضوا على الظلم في المجتمع. وقد اعتقل بعض الصناعيين البارزين واتهموا بالفساد، لكن الحكومة الجديدة أدركت بأنها تحتاج إلى مساعدة هؤلاء الرجال – اصحاب الأعمال - إذا أريد لخطط الحكومة الطموحة لتحديث الاقتصاد أن تتحقق. وتم التوصل إلى تسوية مرضية، بحيث ان العديد من اصحاب الشركات المتهمين دفعوا غرامات للحكومة، مقابل تعهدهم باعادة ممارستهم للانشطة الصناعية. وبالتالي، كان هناك تعاون متزايد بين اصحاب الشركات والحكومة لتحديث الإقتصاد.

وفي مطلع الستينيات عملت الحكومة الكورية على تكوين مجموعة من المؤسسات الصناعية تسمى "الـ Chaebol"، وذلك كقاعدة للتصنيع السريع وتحقيق التنمية الاقتصادية. وتعتبر "الـ Chaebol" مجموعة من الشركات التي تملكها وتديرها عائلة تسيطر على صناعات معينة، بحيث تحتكر تلك الصناعة.

وقام Park بتأميم كل البنوك وبدأ بتطوير التكتلات القائمة Chaebols آنذاك. وبإمتلاكه السيطرة الكاملة على البنوك، مما اتاح له تقرير من يحصل على القروض ولأي شيءٍ تستخدم هذه القروض. وكان بارك يقوم بتوجيه الـ Chaebols في إختيار صناعاتهم. وفي بعض الاحيان كان يأمر الـ Chaebols أيضاً ان يقوموا بصناعة معينة. مثال على ذلك ما حدث مع شركة دايوو Daewoo حين طلب منها شراء مصنع هونداي للحديد والصلب. وبذلك فرض الرئيس بارك Park سيطرته بالكامل على الصناعات، واخذ يحدد اية صناعة يجب ان تعمل في كوريا، ومن هي الشركة التي يجب ان تقوم بها. مثال على ذلك، شراء شركة Daewoo لشركة بناء السفن Hankuk، بناءً على رغبة الرئيس Park، الذي حفزهم على دخول هذه الصناعة.

كما املى الرئيس بارك على شركة هونداي Hyndai بان تكون الشركة الاولى لصناعة السفن في كوريا رغم عدم توفر الخبرات الكافية لديها في هذه الصناعة.

وبمتابعة تعليمات وأوامر الرئيس بارك Park كان باستطاعة الشركات الحصول على القروض الرخيصة، والنظام الضريبي المناسب والعديد من الفوائد الأخرى. ومثال على ذلك: - الشركات الأكثر أهميةً أصبح بإمكانها إبداء رأيها في الاجتماعات الشهرية مع الرئيس بارك Park. في هذه الاجتماعات، اصبح الرئيس Park، والوزراء، والسياسيين الكبار ومالكي الشركات الكبيرة الـ Chaebols، هم الذين يقررون كيف يجب ان تكون سلع التصدير الاساسية، وأسواق التصدير الخارجية. وكان من أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت هذه الشركات تطيع الرئيس بارك Park  هو قانون "التصرف بالثروة المجموعة بطرق غير مشروعة Law for Dealing with Illicit Wealth Accumulation"  الصادر عام 1961م. فبإستعمال هذا القانون سجن Park العديد من رجال الأعمال البارزين في ذلك الوقت. وقام بعد ذلك باعفائهم واطلاق سراحهم شريطة ان يستثمروا  كل اموالهم في تلك الصناعات التي تختارها لهم الحكومة.

وقدمت الحكومة تسهيلات تمويلية عند معدلات فائدة منخفضة التكلفة، وتَطَّلبَ من الـ Chaebol اتباع الإستراتيجيات القومية للتنمية الصناعية القائمة على التصنيع الموجه للتصدير. وبذلك أوجدت الحكومة حافزًا هيكليًا لشركات الـ Chaebol في الاعتماد على البنوك الحكومية في توفير التمويل اللازم.

ومن جانب آخر تقوم الـ Chaebol بخدمة الأهداف القومية للدولة، وتقدم خدمات اجتماعية من خلال توفير فرص العمل، وتوفير الضمان الاجتماعي للعمال (الإسكان والرعاية الصحية ولتقاعد وتكاليف تعليم أبنائهم). فعلى سبيل المثال نجد أن العامل في مجموعة "هيونداي Hyndai" يحظى بامتلاك سيارة "هيونداي"، ويتمتع بالسكن الذي توفره له، كما يحصل على احتياجاته الاستهلاكية بالتقسيط والدعم من المجموعة. وتدير مجموعة "هيونداي" العديد من المستشفيات والمدارس والمطاعم التابعة لها، ويستفيد من خدماتها العاملون فيها بشكل خاص.

إن قيام مجموعات الـ Chaebol ساعد في إيجاد مجموعة من رجال الأعمال والمستثمرين المحليين تمت على أيديهم النهضة الصناعية الكورية.

إستعمل Park التكتلات Chaebol كوسيلة لتحقيق النمو الإقتصادي. وتم تشجيع الصادرات، بعكس سياسة Rhee التي كانت ترتكز الى الإعتماد على الاستيراد.

كانت التكتلات قادرة على النمو بسبب عاملين - القروض الخارجية والمعاملة الخاصة. كما ان التكنولوجية الأجنبية أيضاً كانت ضرورية لنمو الـ Chaebol خلال الثمانينات (1980s). فتحت شعار "الراسمالية الموجهة" إختارت الحكومة بعض الشركات لمباشرة المشاريع وتمويلها من القروض الخارجية. وضمنت الحكومة هذه الشركات امام الدائنين الاجانب في حال عدم قدرتها على تسديد الديون. كما تم توفير قروض اضافية من البنوك المحلية. وفي أواخر الثمانينات، سيطرت الـ Chaebol على قطاع الصناعة وخاصة الصناعة التحويلية، والصناعات الثقيلة والالكترونيات.

وسيطرت الـ Chaebols على اقتصاد كوريا الجنوبية في أواخر الثمانينات (1980s)، وفي أغلب الأحيان شملت الأعمال في الصناعات الثقيلة والصناعات الاستهلاكية والمنتجات الكهربائية وإلالكترونية، بالإضافة إلى الشركات التجارية والتأمين والعقارات.

 وساهمت الـ  Chaebol في التوسع الناجح للقدرات التصديرية لكوريا الجنوبية. ففي عام 1987 كان عائد اكبر أربعة تكتلات Chaebol حوالي 80.7$ مليار دولار امريكي , أي ما يعادل ثلثي الناتج القومي الاجمالي GNP لكوريا في ذلك العام. وفي نفس العام، حققت مجموعة سامسونغ عائدات بقيمة 24$ مليار دولار امريكي؛ "هايونداي "Hyndai - 22.7$ مليار دولار امريكي؛ "دايوو Daewoo" - 16$ مليار دولار امريكي، "وجولد ستار  "Lucky-Goldstar - 18$ مليار دولار امريكي. وكانت عائدات شركة "صنك يونغ Sunkyong" - 7.3$ مليار دولار امريكي في عام 1987. وتمثل اكبر عشر تكتلات Chaebol 30% من القيمة المضافة في قطاع الصناعة التحويلية، وتقريباً 66% من قيمة اجمالي الصادرات الكورية الجنوبية في عام 1987.

وبشكل عام فان اجور العاملين في التكتلات الـ Chaebol اعلى من منافسيها، كما ان ظروف العمل فيها افضل من غيرها من الشركات الكورية الجنوبية.

وغالبا ما تقارن التكتلات الكورية Chaebol مع نظيراتها اليابانية "keiretsu"، لكن هناك بعض الاختلافات. ففي معظم الحالات، فان العائلة التي أسست العمل الرئيسي في الـ Chaebol بقيت هي المسيطرة، بينما في اليابان، فان الـ keiretsu مسيطر عليها من قبل ادارة الشركة. كما شكَّلت الـ Chaebol شركات تابعة لها في أغلب الأحيان لإنتاج المكونات لصناعات التصدير، بينما الشركات اليابانية الكبيرة تتعاقد في غالب الاحيان مع مقاولين محليين لتزويدها بالأجزاء والمكونات اللازمة للصناعة من خلال عقود التوريد من الباطن Subcontracting .

ان النمو الهائل الذي حققته الـ Chaebol في أوائل الستينات، كان مرتبطاً بشكل وثيق بتوسع الصادرات الكورية الجنوبية. وكان النمو محصلة للتنوع في إنتاج السـلع production of a diversity of goods.

وكان الإبداع والرغبة في تطوير خطوط جديدة للمنتجات هما العامل الحاسم لدى الـ Chaebol. ففي الخمسينات وأوائل الستينات, ركزت الـ Chaebol على انتاج الباروكات والمنسوجات والالبسة، وبمنتصف السبعينات والثمانينات، أصبحت الصناعات الثقيلة، والصناعات الحربية، والصناعات الكيماوية هي السائدة فيها. كما ان نمواً حقيقياً حدث في صناعات الالكترونيات والتكنولوجيا المتقدمة. وكان للتكتلات Chaebol أيضاً الفضل في تحويل العجز التجاري في عام 1985 إلى فائض تجاري عام 1986م، حيث سجلت كوريا في هذا العام فائضا في الميزان التجاري مقداره 4.2 مليار دولار. وبحلول عام 1988م كان الفائض في الميزان التجاري قد وصل الى 11.4 مليار دولار امريكي.

واصلت الـ Chaebol نموها المتعاظم في أسواق التصدير في الثمانينات. وبحلول عام 1990 بدأت الـ  Chaebolبالإنتاج أيضاً للسوق المحلية الآخذة بالنمو. وفي نهاية عقد الثمانينات، كانت الـ Chaebol قد أصبحت مستقلة وآمنة مالياً - وبذلك تقلصت بشكل اكبر الحاجة لمساعدة ودعم الحكومة.

السبب الآخر لنجاح Chaebol كان وصولهم إلى التكنولوجيا الأجنبية. فبدلاً من ان تبدا الشركات الكورية في اعمال البحث والتطوير التكنولوجي، اختصرت الوقت من خلال شرائها براءات الإختراع والتكنولوجيا الأجنبية foreign patents and technology، بحيث اصبحت تنتج نفس السلع التي كانت تُنتج في الدول ألاخرى، لكن بتكاليف اقل.

كانت الـ Chaebol كيانات مستقلة قوية تعمل في الاقتصاد والسياسة، لكن أحياناً كانوا يتعاونون مع الحكومة في مجالات التخطيط وإلابداع. عملت الحكومة بجد لتشجيع المنافسة فيما بين الـ Chaebol في بعض المناطق لتجنب الاحتكارات الشاملة.

امتد دور الشركات الكبرى إلى الميدان السياسي. ففي عام 1988 انتخب احد أعضاء عائلة Chaebol - Chong Mong-jun، رئيس صناعات هايونداي الثقيلة ليكون عضوا في الجمعية الوطنية. كما ان كبار رجال الأعمال الآخرين أُنتخبوا ليكونوا أعضاء في الجمعية الوطنية من خلال نظام التمثيل النسبي proportional representation system.

وتصنف مجموعات الـ Chaebol الكورية (هيونداي Hyndai؛ دايو Daewoo؛ جولدستار Goldstar) اليوم ضمن قائمة أكبر 100 شركة صناعية في العالم. حيث يبلغ عدد الشركات التابعة لأكبر خمس مجموعات الـ Chaebol نحو 210 شركات. ونظرًا لما تتمتع به الـ Chaebol من هياكل صناعية كبيرة ومتنوعة في المجالات الصناعية، إلى جانب سهولة الحصول على المزايا الائتمانية، فإن الصناعة الكورية تستحوذ على حصة كبيرة من السوق العالمية، وتستطيع بجدارة أن تعوض الخسارة في أي شركة فرعية من خلال أرباح الشركات الفرعية الأخرى.

من التنوع الى التركيز والتخصص From Diversification to Focus and Specialization:

كان التعلم الذاتي Self-Learning سواء في مرحلة الاستيعاب التكنولوجى أو فى مرحلة التطويرات البسيطة المتصاعدة، هو الطاقة الحقيقية المستخدمة فى إنجاز التغيير التكنولوجى. إن هذا التعلم تتباين أشكاله ووسائله وسرعاته طبقا للمناخ التكنولوجي العام بالنسبة للصناعة وبالنسبة للمجتمع ككل، فمن خلال التعاون بين الشركات الكورية المحلية العاملة في الصناعات الالكترونية مع الشركات العالمية (متعددة الجنسية) ، اقتصر دور الشركات المحلية فى البداية على مجرد التركيب (أو التجميع) وتقييم الجودة، وذلك فى أواخر الخمسينات وأوائل الستينات من القرن الماضي. بعد ذلك تطور هذا الدور الى تصنيع المنتج الأصلي (OEM) أى Original Equipment Manufacturing بما يتضمنه ذلك من مواءمة فى العملية الإنتاجية. ثم تقدم المنتج المحلي أكثر من خلال الاتجاه الى عمل التصميم والتصنيع (ODM) أى Own Design and Manufacture بما يتضمنه ذلك من تعلم ذاتى فى إدخال تحسينات على العلمية الإنتاجية وفى تصنيع نماذج للمنتج. إنها خطوات أدت الى إجراء بحوث تطبيقية تطويرية على كل من العملية الإنتاجية والمنتج، بحيث أصبحت الشركات المحلية فى النهاية قادرة على ممارسة أنشطة البحث والتطوير على كل من العملية الإنتاجية والمنتج، ممّا أهلها مع نهاية تسعينات القرن العشرين من بلوغ مرحلة تصنيع المنتج الخاص (OBM) أى Own - brand Manufacture . وكان الانتقال التدريجى من OEM الى ODM ثم الى OBM على الدوام ناتجا عن عمليات تعلم مكثف ومسببا - بالتدريج -  في زيادة فى حجم الصادرات الكورية.

وقد اتجهت بعض مجموعات الـChaebol  الكورية من التنوع إلى التركيز والتخصص في المنتجات التي تحقق فيها ميزة نسبية، إضافة إلى تكوين تحالفات واندماجات ساعدتها على الاحتفاظ بموقع تنافسي لا يبارى. فقد وافقت شركة "دايو موتورز Daewoo" على التنازل عن شركات الإلكترونيات التي تملكها إلى شركة "سامسونغ Samsong" مقابل تنازل "سامسونغ" عن ملكية شركات السيارات. ويعني ذلك أن "سامسونغ" ستسيطر على سوق الإلكترونيات في كوريا بما يصل إلى 60% من الإنتاج الكوري. بينما ستكون "دايو" هي صانع السيارات الثاني في كوريا بعد "هيونداي Hyndai".

كما قامت الحكومة بدور الوسيط في الاندماج الذي حدث بين شركات مجموعة "هيونداي" لإنتاج رقائق الحاسوب computer chips ومجموعة "LG – سابقا جولد ستار Goldstar" والذي ادى إلى احتلال الكيان الجديد المركز الثاني عالميًا في إنتاج الرقائق.

على أي حال، فمن نتائج النموذج الصناعي في كوريا الجنوبية أن تحققت قفزات اقتصادية ناجحة، من أبرز شواهدها كان ارتفاع معدل دخل الفرد (الذي لم يتجاوز 87 دولارًا في عام 1962م) ليصل إلى 14,162$ دولار في عام 2004م، أي بزيادة (في القيمة الاسمية) تتجاوز الـ 162 ضعفًا خلال فترة تزيد قليلاً عن أربعة عقود (42 عام).

لقد أدرك الرئيس Park أنه لن يستطيع الاعتماد طويلا على سياسة التجميع التقليدية, فهي لن تنتج إلا نسخا غير متطورة من المنتجات اليابانية, لذا غير اتجاهه وبدأ في خلق مناخ يمكن هذه المؤسسات من أن تبتكر وأن تخلق أساليب ومنتجات جديدة قادرة على منافسة اليابان عالميا. وقصة تطور شركة سامسونغ ما هي الا قصة تطور الصناعة الكورية بشكل عام -  من: التجميع   إلى   الإنتاج ... ومن التقليد   الى   الابتكار.

دور منشآت القطاع العام Role of Public Enterprises:

سياسة التنمية الاقتصادية التي قادتها الحكومة أثناء الستينات (1960s) كانت ضرورية، لأن رواد الأعمال من القطاع الخاص كان ينقصهم التجربة والمال الضروري للقيام بالمشاريع الصناعية الهامة، والتي كانت ضرورية للنمو الاقتصادي للدولة. وعلى ضوء ذلك قررت الحكومة تأسيس شركات عامة لتطوير وإدارة هذه الصناعات الإستراتيجية باعتبارها الطريق الأسرع والأكفأ لتعزيز النمو في صناعات رئيسية متنوعة .

وخلال عقد الستينات (1960s)، تركزت المنشآت العامة Public enterprises في مجالات الطاقة الكهربائية، الأعمال المصرفية، الاتصالات، والصناعة التحويلية. في عام 1990 كانت هذه المشاريع، في العديد من الحالات، ذات كفاءة إنتاجية عالية، حيث أنتجت السلع الأساسية والخدمات بكلفة منخفضة، واستخدمت الأرباح التي ولدتها هذه المشاريع لعمل استثمارات رأسمالية جديدة، أو لتوفير الأموال للإستخدام العام في مجالات أخرى. وفي سنوات الثمانينات، كانت الحكومة وبشكل بطيء تقوم بخصخصة Privatizing عدد من هذه الشركات من خلال بيع الأسهم، لكن الحكومة بقيت المالك الرئيسي للاسهمprincipal stockholder  في كل شركة. ومن اهم الاعمال التي قامت بها الحكومة في الثمانينات، هي المغامرة بالاستثمار في التكنولوجيا الجديدة والغالية.

في عام 1985 كان قطاع المشاريع العامة public enterprise sector يتكون من 90 مشروعاً، يوظف أكثر من 305,000 عامل، أو 2.7% من مجموع العاملين في القطاعات غير الزراعية. كان هناك أربعة انواع من المشاريع: الوطنية، مشاريع حكومية (يعمل بها وتدار من قبل موظفين مسئولين حكوميين)، مشاريع استثمارية حكومية (على الأقل 50% ملكية حكومية)، مشاريع تابعة subsidiary للحكومة (تملك أكثر من نصف أسهمها)، وتُموَّل من قبل الحكومة بشكل غير مباشر، ومشاريع اخرى مدعومة من الحكومة، مثل شركة الطاقة الكهربائية الكورية Korea Electric Power Corporation (KEPCO)،  وشركة "بوهانغ" للحديد والفولاذ Pohang Iron & Steel Company (POSCO). وفي أواخر الثمانينات (1980s)، كانت 30% من عائدات المشاريع العامة قد تحققت في قطاع الصناعات التحويلية، و67% في قطاعات الخدمات، 3% في الزراعية.

الدور المحوري للدولة Pivot Role of Government:

بدأت مسيرة التنمية في كوريا بتدشين اول خطة للتنمية الاقتصادية عام 1962م. وقد لعبت العوامل الخارجية والداخلية دورا كبيرا في عملية التنمية الاقتصادية. فقد ساعدت ظروف الحرب الباردة ورغبة الولايات المتحدة وحلفائها تحويل كوريا الى دولة صناعية حديثة مقابل كوريا الشمالية والصين، فقدمت لها كل اشكال الدعم والمساندة. كما لعبت الدولة دورا مهما في قيادة الاقتصاد الكوري، فحضنته كما تحتضن الام وليدها وبقيت ترعاه وتسهر عليه حتى كبر وبلغ مرحلة النضوج والاعتماد الكامل على الذات.

لقد سعت الدولة الى السيطرة على السوق وتوجيه بما يساعد على انجاز الاهداف التي كانت تسعى الى تحقيقها. وقد تدخلت الدولة بشكل مباشر في الحياة الاقتصادية بغرض دفع الاستثمار والصناعات والصادرات في المسارات المرغوبة من خلال التدخلات الانتقائية التي تركز على صناعة بعينها او قطاع بذاته، ومن خلال تقييد المنافسة او منعها، كلما وجدت مصلحة في ذلك لتسريع وتائر الانتاج او تنمية الصادرات. كما لم تألوا جهدا في تقديم كل العون والمساعدة وتقديم كل التسهيلات للصناعات الرائدة.

ومن جهة ثانية، وفي سعيها لدعم القطاع الخاص وتعظيم مساهمته في النمو الاقتصادي تصرفت الدولة ليس باعتبارها التابع للقطاع الخاص، بل باعتبارها السيد والخادم لهذا القطاع.

وقد تم ذلك من خلال التحكم في قوى السوق بطرق مختلفة كي تضمن الدولة ان سعي المنشآت الاقتصادية لتحقيق مصلحتها الخاصة لا يتناقض مع المصلحة العامة، وبذلك حلت اليد المرئية للدولة محل اليد الخفية لقوى السوق.

لقد بلغ تدخل الدولة في كوريا الجنوبية حدا لم يسبق له مثيل في توجيه مسار التنمية الاقتصادية، مما جعل

 بعض الاقتصاديين يصفونه بانا العامل الأكثر أهمية عن غيره في صنع النجاح التنموي لهذه الدولة، ويصفون التنمية التي تحققت في هذه الدولة بأنها كانت تنمية بقيادة الدولة لا بقيادة السوق!

***

وفي شهر تشرين أول من عام 1979 اغتيل الرئيس بارك Park على يد احد المقربين له وهو رئيس جهاز المخابرات الكوري، وخلال إنقلاب عسكري عنيف. لقد افنى الرئيس Park حياته في سبيل تحقيق حلمه وهو جعل كوريا دولة صناعية متقدمة تعتمد على نفسها.  وبذلك انطوت صفحة خالدة من صفحات تاريخ كوريا الحديث.

وقد أثنى عليه الرئيس   Kim Dae Jung بعبارات ايجابية مشيدا بدوره في تحويل كوريا من دولة متخلفة إلى قوة اقتصادية هائلة، حيث قال "لولا الرئيس بارك لما كانت كوريا دولة صناعية".

***


       

samirsous@hotmail.com

       

سمير زهير ألصوص

قلقيلية - فلسطين

*****

***

*